المقالات

أزمة بلا حرب…وحرب بلا قرار

أزمة بلا حرب…وحرب بلا قرار

✍🏼 عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست الأزمة المحيطة بإيران أزمة ضربة عسكرية وشيكة، ولا صراع تحذيرات متبادلة كما يظهر في واجهة المشهد. 

فذلك الضجيج، على حدّته ؛ لا يتجاوز كونه إدارة توتر، لا توصيف أزمة. 

الواقع أعمق: مأزق دولي يتعلّق بقدرة النظام العالمي على الحسم، لا برغبته في المواجهة.

 

فالولايات المتحدة تلوّح بالقوة، لكنها تدرك أن الضربة – مهما وُصفت بالمحدودة أو الرمزية – لم تعد قادرة على إنتاج نتائج سياسية مستقرة. 

تجارب العقدين الماضيين أثبتت أن القصف قد يفتح الجبهات، لكنه نادرًا ما يغلق الأزمات. 

وفي المقابل ؛ لا تتحرك إيران من موقع اندفاع نحو الحرب، بل من موقع إدارة صراع طويل النفس، قائم على امتصاص الضغط وتوسيع هامش المناورة، لا على كسر الطاولة.

 

هنا يتكشّف جوهر الأزمة: ليست مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، بل صدام غير معلن بين منطق القوة التقليدي وواقع دولي تغيّر. 

عالم لم تعد فيه الضربة العسكرية حاسمة، ولا العقوبات الاقتصادية كافية، ولا الردع وحده ضامنًا للامتثال. 

ومن هذا المنطلق ؛ تتحرك الصين وروسيا ، لا دفاعًا عن إيران بقدر ما هو دفاع عن منع سابقة تُعيد منطق الانفراد بقرار الحرب، وتُربك توازنات أكبر من الملف الإيراني نفسه.

 

الأزمة الحقيقية إذًا هي ؛ أزمة تعريف للخط الأحمر: من يملك حق رسمه؟ ومن يملك القدرة على فرضه؟

أميركا تريد أن يبقى الخط الأحمر بيدها، حتى وإن تآكلت قدرتها على إنفاذه..وإيران تسعى إلى تفريغه من محتواه دون إعلان كسره..وبين الطرفين ؛ تقف القوى الكبرى الأخرى خشية أن يؤدي أي انفلات عسكري إلى كشف هشاشة الردع، وهشاشة التحالفات، وربما هشاشة النظام الدولي برمّته.

 

يقول كارل فون كلاوزفيتز إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، غير أن المعضلة اليوم ؛ أن السياسة نفسها فقدت قدرتها على الحسم، فصار التهديد بالحرب بديلاً عن الحرب، واستعراض القوة بديلاً عن استخدامها. 

ويذهب هنري كيسنجر إلى أن انهيار النظام الدولي يبدأ حين تعجز القوى الكبرى عن الاتفاق على قواعد اللعبة؛ وهو ما نشهده بوضوح في هذا الملف. 

أما جون ميرشايمر فيختصر المشهد بقوله إن القوى العظمى لا تخشى الحرب بقدر ما تخشى فقدان الردع.

 

لهذا تبدو اللغة حادّة، فيما القرار مؤجَّل..وتبدو التصريحات نارية، فيما الأفعال محسوبة ببرود..فالكل يدرك أن أي ضربة حقيقية لن تحسم الصراع، بل ستفتح بابًا أوسع للفوضى، وتُسقط أقنعة أكثر مما تُسقط أهدافًا.

 

إن ما يجري ؛ ليس استعدادًا للحرب، بل خوفًا منها؛

وليس صراع قوة، بل صراعًا على من يملك حق القرار.

وحين يعجز الجميع عن الحسم ؛ يصبح التهديد لغة المرحلة، ويغدو الضجيج قناعًا لفراغ القرار.