المقالات

السيادة السعودية تعيد ضبط البوصلة !

السيادة السعودية تعيد ضبط البوصلة !

✍🏼علي بن عبدالله المالكي

في السياسة، لا مكان للأوهام ولا قيمة للعواطف المجردة، فلا صديق دائم ولا عدو دائم، بل مصالح تُصان، وسيادة لا تُمس، وأمن قومي يُدافع عنه مهما كلف الثمن .! هذه ليست شعارات، بل قواعد راسخة تحكم سلوك الدول المعتدلة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي جعلت من مصلحة شعبها وأمتها العربية والإسلامية خطًا أحمر لا يقبل المساومة أو الابتزاز.

السيادة الوطنية ليست منّة من أحد، بل حق أصيل كفلته مواثيق الأمم المتحدة، يقابله واجب واضح بعدم التدخل في شؤون الغير، واحترام الحدود، والكف عن العبث بالأمن والاستقرار .. والمملكة، وهي دولة مؤسسة للأمم المتحدة منذ عام 1945م، وركنٌ أصيل في جامعة الدول العربية منذ نشأتها، لم تكن يومًا دولةً خارجة عن النظام الدولي، ولا مغامِرة في قراراتها، لكنها كذلك لم ولن تكون دولةً يُختبر صبرها إلى ما لا نهاية .!.

لقد اختارت المملكة السلام نهجًا، ولم تبدأ عدوانًا على أحد، لكنها في الوقت ذاته لم تقبل يومًا، ولن تقبل مستقبلًا، أن يُمس أمنها أو تُستباح حدودها أو يُتلاعب بجوارها !. ومن يقرأ تاريخها بإنصاف، يدرك أنها كانت دائمًا عامل تهدئة وتوحيد، وقدّمت مصلحة الأمة على حساب مصالحها الضيقة، كما تفعل اليوم في موقفها الثابت من القدس وغزة، حيث أكدت بوضوح لا لبس فيه، لا تطبيع بلا دولة فلسطينية مستقلة، ولا صفقات مجانية تُمنح على حساب الحقوق العربية والإسلامية.

هذا الموقف السيادي الواضح أربك أطرافًا عربية قبل غيرها، أطرافًا أغواها الوهم، وأعماها قصر النظر، فاختارت الاصطفاف مع العدو، وتنفيذ ما عجز عن تنفيذه بيديه، ثم سوّقته بمسميات خادعة .. غير أن التاريخ لا يرحم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

صبرت المملكة طويلًا، وتحملت أذىً متراكمًا، من زمن الشعارات القومية الجوفاء، إلى زمن المشاريع الطامسة للهوية والعقيدة. كانت ترى وتسمع وتحذّر، فيما يكرر جارٌنا بالإمارة سيناريو الاعتذار والتعهد، ثم يعود في كل مرة إلى السلوك ذاته، وكأن الذاكرة السعودية قصيرة، أو أن ضبط النفس ضعف .!. والحقيقة أن الصبر كان خيارًا استراتيجيًا، عل القوم يرتدعون ! لا عجزًا ولا ترددًا.

لكن ما جرى مؤخرًا تجاوز كل حدود الاحتمال، فالاعتداءات في حضرموت والمهرة ليست حوادث معزولة، بل أعمال مدروسة تمثل انتهاكًا سافرًا لسيادة اليمن، وتهديدًا مباشرًا لأمن المملكة .. وعندما تضخمت عضلات ابتسام، أرادت العبث بالحدود، وإشعال الانقسامات، وزرع المليشيات، واللعب بالنار قرب الخاصرة الجنوبية، خطوط حمراء لا تُختبر إلا مرة واحدة.

اليمن، شماله وجنوبه، يدفع منذ عشر سنوات ثمن سلوك إمارة اختارت الفوضى أداة، والاغتيال سياسة، والسجون السرية وسيلة، في خيانة صريحة للثقة التي مُنحت لها .!. وعندما تتكرر الخيانة، يصبح الرد واجبًا سياديًا .. فجاء الرد السعودي بضربة محدودة، دقيقة، نظيفة، كشفت الجدية دون تهور، وأوصلت الرسالة دون أن تُراق دماء بريئة، فالعربات التي أُنزلت خلسة في ميناء المكلا، قرب خزانات الوقود، بهدف إحداث مجزرة ودمار واسع، جرى تحييدها باحتراف عسكري يُدرّس، دون خسائر بشرية، ودون المساس بالبنية الحيوية.

لم يكن ذلك رد فعل متسرعاً، بل فعل دولة تعرف متى تصبر، ومتى تضرب، وأين تضرب ؟!. غير أن من استعرضوا عضلاتهم المخادعة، أخطأوا الحساب، واختاروا الخصم الخطأ، في الزمان والمكان الخطأ.

إن المملكة العربية السعودية، صاحبة الأيادي البيضاء والمواقف الإنسانية المشهودة، لم تكن يومًا معتدية، ولم تُسخّر العمل الإنساني غطاءً لنقل السلاح، ولم تختزل قضايا الشعوب في أشخاص أو مليشيات، ولم تراهن على الخونة، ولم تحمِهم، ولم تُجمّل سقوطهم، ولم تهربهم ليلاً، ولم يصرح مستشاريها بأن العيدروس ضاع بالبحر ! وقد أجمع اليمنيون، شمالًا وجنوبًا، على خيانة من باع قضيته، مهما حاول الإعلام تلميعه، وان يد العدالة ستطاله مهما اخفته أبو ظبي !.

ورغم وضوح الحقائق، لا يزال البعض يراوغ وينكر، مع أن المشرق والمغرب باتا يعلمان أبعاد المشروع وخطورته .! غير أن الحقيقة الأوضح من كل ذلك هي أن المملكة إذا قالت فعلت، وإذا حذّرت أنذرت، وإذا تعرّض أمنها لأي عدوان، فإن الرد سيكون حاسمًا، بلا تردد ولا هوادة .. فهذه دولة تعرف وزنها، وتدرك مسؤوليتها، وتحمي سيادتها بالفعل .. لا التصريحات المتناقضة .!.