المقالات

لا حصانة بالمال: العدالة أولًا في قضايا الدية!!

لا حصانة بالمال: العدالة أولًا في قضايا الدية!!

بقلم عبدالمحسن محمد الحارثي 

قال الله تعالى: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» [الأنعام:151]، وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ: «من قتل معاهداً لم يرح رائحته الجنة»، لتكون حرمة الدماء أول ما نستحضر عند النظر في قضايا القتل والدية.

انطلاقًا من هذه المسؤولية الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، وتأكيدًا على قدسية الدماء وهيبة القضاء؛ فإنّ جمع الدية ليس شأنًا عاطفيًا يُدار بنداءات الاستعطاف، ولا موجة تعاطفٍ عابرة، بل هو إجراءٌ يمسّ صميم العدالة ويستوجب أعلى درجات التثبّت والانضباط النظامي.

إنّ فتح حسابٍ بنكي للتبرع في قضايا القتل لا ينبغي أن يكون استجابةً لحملات التعاطف أو الاندفاع العاطفي، بل إجراءً منضبطًا يستند إلى قرارٍ رسمي من الجهة المختصة نظامًا، بعد دراسةٍ دقيقة لملابسات القضية والتحقق من عدالتها، والتأكد من أن الدعم المقدم ينسجم مع مقاصد الشريعة وروح النظام

إنّ العفو حقٌّ لأولياء الدم، والدية مسارٌ أقرّه الشرع؛ غير أنّ تمكين القاتل من الإفلات من تبعات فعله عبر جمع الأموال لا يصحّ أن يكون حقًا مكتسبًا لمجرّد القدرة على الحشد. فالعدالة لا تُختزل في موافقة الخصوم على الدية، بل تتّسع للنظر في خطورة الجرم، وظروفه، وأثره المجتمعي. وقد قرّر أرسطو أن العدل هو إعطاء كل ذي حقٍّ حقّه، والحقّ لا يُقاس بحجم التبرعات، بل بميزان الإنصاف.

كما أن الحرية في التبرع لا تنفصل عن سلطان القانون؛ إذ يقول مونتسكيو: «الحرية هي فعل ما تسمح به القوانين»، وما لم يُضبط هذا الباب بضوابط رسمية صار مدخلًا لفوضى قيمية تُضعف الردع وتربك ثقة المجتمع في عدالته.

وعليه؛ فإننا نتطلع إلى التثبت والتعامل مع دعوات جمع الدية عبر القنوات الرسمية فقط، وألا يتم فتح أي حسابٍ للتبرع إلا بعد إعلانٍ واضح يوضح استحقاق الحالة للدعم. فالرحمة لا تتعارض مع العدل، لكنها تسير في إطاره، وحماية المجتمع تبقى أساس أي مبادرة إنسانية

إنّ صون العدالة، وحفظ هيبة النظام، ومنع تسليع الدماء تحت ضغط التعاطف؛ مسؤولية مشتركة لا تحتمل المجاملة.