المقالات

بين ازدواجية الخطاب وواقع الممارسة:

بين ازدواجية الخطاب وواقع الممارسة:

في خضمّ الخطاب السياسي الذي ترفعه إيران وحرسها الجمهوري في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل حول (نصرة قضايا العالم الإسلامي)، يبرز تساؤل جوهري (كيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن قضايا المسلمين أن تكون في الوقت ذاته طرفًا في زعزعة استقرار دول إسلامية عديدة؟) هذا التناقض بين الشعار والممارسة يفتح الباب أمام قراءة نقدية عميقة لدورها الإقليمي.

منذ عقود، سعت إيران إلى توسيع نفوذها عبر أدوات متعددة، أبرزها دعم جماعات مسلحة وميليشيات إرهابية مجرمة وغير حكومية، ففي اليمن، يظهر دعمها لجماعة الحوثي كعامل رئيسي في إطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية، من قتل وتشييع وتجنيد للأطفال.! بدلًا من الإسهام في استقرار بلد عربي إسلامي يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وسياسية!! وفي العراق، لعبت دورًا مؤثرًا في دعم فصائل الحشد الشعبي، ما أسهم في تعقيد المشهد السياسي وإضعاف مؤسسات الدولة، وخلق حالة من الانقسام والاقتتال الطائفي الداخلي !

أما في لبنان، فإن دعم إيران لـ حزب الله لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى التأثير السياسي العميق، ما أدى إلى اختلال التوازن الداخلي وتعطيل مسارات التنمية، وخلق أزمات متكررة في بنية الدولة واختطاف قرارها السياسي، واغتيال السياسيين فيها، بل تجاوز دور الحزب الحدود اللبنانية والتدخل في نزاعات إقليمية، عبر تصدير المخدرات وارسال الإرهابيين الى اليمن لقيادة مجاميع حوثية وتدريبهم على التحكم بالمسيرات المفخخة وتوجيها على جيران اليمن العرب والمسلمين .!.

وفي سوريا، كان الدعم الإيراني للنظام البائد خلال سنوات الحرب أحد أبرز العوامل التي أطالت أمد الصراع وأسهمت في تفاقم المأساة الإنسانية عبر قتل وتنكيل وتهجير للشعب السوري العربي المسلم، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى انسجام هذه السياسات مع مبادئ دعم الشعوب الإسلامية، في ظل حجم الدمار والمعاناة التي شهدها الشعب السوري.

ولا يقتصر الضرر على هذه الساحات، بل تمتد الاعتدائات الى دول الخليج العربي، عبر دعم جماعات أو أنشطة إرهابية تهدد الأمن الداخلي ويُستدل على ذلك بوقائع وأحداث عززت القناعة لدى كثيرين بأن هذه السياسات تستهدف تعزيز النفوذ الجيوسياسي وتصدير الثورة، أكثر من دعم قضايا إسلامية جامعة؛ فطريق القدس الاسلامية كما يُقال لا يمر عبر زعزعة استقرار دول المنطقة العربية والإسلامية.!.

إن قراءة هذا المشهد تكشف فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.. فتوحيد الصف الإسلامي، والدعم الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بما يتحقق على الأرض من أمنٍ واستقرارٍ وازدهار .. أما سياسة الخطاب المزدوج، وإرسال الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى دول الجوار، فلم تعد تقنع أحدًا، في زمن باتت فيه الوقائع أوضح من أي خطاب .! كما أن تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج لم يعد حلًا مستدامًا، بل يزيد من تعقيد المشهد الإيراني الداخلي ويزيد الطين بلة !.

ففي الداخل الإيراني، يطرح الواقع الاقتصادي والمعيشي تحديات كبيرة، كان الأجدر أن تحظى بالأولوية في السياسات الحكومية، بدلًا من توسيع دوائر النفوذ الخارجي ! فالشعوب لا تقاس قوتها بمدى انتشار نفوذها خارج حدودها، بل بقدرتها على تحقيق الرفاه والاستقرار لمواطنيها.

وللمفارقة، استهداف فندق الرشيد في العراق، حيث أقدمت فصائل الحشد العراقية المرتبطة بإيران بتنفيذ تلك الهجمات، فالعراق يقصف العراق !!! هذا التناقض يعكس إشكالية عميقة في الخطاب والممارسة، ويعزز التساؤل حول حقيقة الأهداف والوسائل.

في المحصلة، فقضايا العالم الإسلامي أكبر من أن تُختزل في شعارات ايران السياسية أو اعتدائتها الطائفية، وهي بحاجة إلى مشروع حقيقي قائم على التنمية والاستقرار واحترام سيادة الدول، لا على توسيع النفوذ وإدارة الأزمات، وقد وجهت الرسائل لإيران وعليها ان تلتقطها قبل فوات الآوان .!.

✍🏼علي بن عبدالله المالكي