✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
هذه ليست عبارة إنشائية، بل قضية سياسات تربوية تمسّ جوهر بناء الإنسان، وتنعكس مباشرة على جودة الأجيال، وصحتها النفسية، وقدرتها المستقبلية على التعلم والإنتاج. فالمسألة لم تعد خلافًا حول عدد الحصص أو كثافة المناهج، بل حول الفلسفة التي تُدار بها السنوات الأولى من العمر: هل هي سنوات بناء إنسان ، أم سنوات حشو مبكر؟
تُظهر تجارب تعليمية عالمية أن إعادة تعريف “بداية التعليم” ليست تفصيلاً ثانويًا.
ففي فنلندا ؛ لا يبدأ التعليم الإلزامي قبل سن السابعة، وهو خيار قائم على قناعة علمية وتربوية بأن الطفولة المبكرة ليست مرحلة تحصيل أكاديمي، بل مرحلة نمو عصبي ونفسي واجتماعي. وقد انعكس هذا التوجه في تقليل الضغط الدراسي، وتعزيز اللعب المنظّم، وبناء مهارات التعلّم الذاتي قبل إدخال الطفل في منظومة التقييم الرسمي.
هذا التوجه يجد جذوره أيضًا في علم النفس النمائي..إذْ يقرر جان بياجيه أن الطفل لا يتعامل مع المعرفة كنسخة مصغّرة من الراشد، بل يمر بمراحل إدراكية متمايزة، لا يمكن تجاوزها دون كلفة معرفية ونفسية.
ومن هنا ؛ فإن تقديم مفاهيم مجردة أو كثافة أكاديمية في مرحلة مبكرة جدًا لا يسرّع النمو، بل يربكه ويشوّش بنيته الذهنية.
وفي السياق نفسه ؛ يوضح عالم النفس إريك إريكسون أن المرحلة المبكرة من الطفولة هي مرحلة “تكوين الثقة الأساسية”، حيث يُبنى شعور الطفل بالأمان تجاه العالم..وأي ضغط معرفي أو تنافسي مبكر قد يحوّل التعلم من تجربة اكتشاف إلى مصدر قلق، ومن فضاء فضولي إلى عبء نفسي متكرر.
أما في الفكر التربوي الإسلامي ؛ فإن هذا المعنى حاضر بصيغة دقيقة ومؤصلة. فقد قال النبي ﷺ: «مُروا أولادكم بالصلاة لسبع»، وهو توجيه لا يتعلق بالعبادة فقط، بل برسم حدود النضج والاستجابة..فما قبل السابعة هو زمن التهيئة والتنشئة، لا زمن الإلزام والمحاسبة.
وهو ما يتقاطع مع رؤية ابن خلدون حين حذّر من الشدة في التعليم في الصغر، وبيّن أنها تُضعف الملكات وتقتل الدافعية وتنتج نفورًا طويل الأمد من التعلم.
وعلى مستوى المقارنة الدولية، تكشف تجارب متعددة أن جودة التعليم لا ترتبط بالبدء المبكر بقدر ما ترتبط بحُسن التوقيت.
فقد لوحظ في زيارة وفد ياباني لإحدى المدارس الابتدائية في جدة قبل ثلاثة عقود ؛ دهشتهم من كثافة الكتب المقررة على أطفال الصف الأول، في مقابل تصورهم أن هذه المرحلة يجب أن تركز على المهارات اليدوية والحياتية. وعند سؤالهم عن أدوات طلابهم في السن نفسها، كانت الإجابة لافتة: “مفك وزرادية”، في إشارة إلى توجه ياباني يوازن بين المعرفة النظرية والمهارة العملية في المراحل الأولى.
هذه المقارنة لا تُقدَّم للتفضيل بقدر ما تُقدَّم لإعادة طرح السؤال: ماذا نريد من الصف الأول؟ هل نريد طفلاً يعرف أكثر مبكرًا، أم طفلاً يمتلك أساسًا صحيًا للتعلم مدى الحياة؟
الدراسات التربوية الحديثة تشير إلى أن الضغط الأكاديمي المبكر يرتبط بارتفاع مستويات القلق الدراسي، وانخفاض الدافعية الذاتية، وتراجع العلاقة الإيجابية مع التعلم في المراحل اللاحقة. بمعنى أن التفوق المبكر – حين يُبنى على ضغط لا على استعداد – قد يتحول لاحقًا إلى عبء نفسي يعيق الاستمرار.
وفي هذا السياق ؛ تلخص بعض الأدبيات التربوية المعاصرة الفكرة بوضوح: “ليس الهدف أن نُسرّع الطفل، بل أن نُحسن توقيته”.
وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها تمثل تحولًا جذريًا في فلسفة التعليم: من منطق الإنجاز السريع إلى منطق النمو المتوازن.
إن الطفولة ليست مرحلة انتظار للدراسة، بل هي أول مختبر لبناء الإنسان: فيها يتشكل الأمان، وتُبنى الثقة، ويتأسس حب الاكتشاف.
وإذا اختلّ هذا البناء ؛ فإن أي نجاح أكاديمي لاحق سيظل هشًّا مهما بدا لامعًا.
بناءً على ذلك ؛ يمكن لصانع القرار التربوي أن يتعامل مع هذه القضية عبر ثلاث دوائر عملية:
أولًا: إعادة تعريف مرحلة الطفولة المبكرة في السياسات التعليمية باعتبارها مرحلة نمو إنساني لا تحصيل معرفي مكثف.
ثانيًا: تخفيف العبء الأكاديمي في الصفوف الأولى لصالح المهارات الحياتية، والتعلم القائم على اللعب، والتجربة، والتفاعل.
ثالثًا: تعزيز التعليم المهاري واللا صفي بوصفه جزءًا أساسيًا من المنهج، لا نشاطًا هامشيًا.
إن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يبدأ بكثرة المحتوى، بل بحسن توقيت تقديمه.
فكلما احترمنا إيقاع الطفولة ؛ كسبنا إنسانًا أكثر توازنًا، وأقدر على التعلم العميق لاحقًا.
أما استعجالها ؛ فقد يمنحنا نتائج سريعة، لكنه قد يترك أثرًا بعيد المدى على الصحة النفسية والعقلية للأجيال.
وفي النهاية ؛ تبقى الحقيقة الأهم:
الطفل ليس مشروع شهادة مبكرة ، بل مشروع إنسان يُبنى في وقته الصحيح.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات