✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس من السهل على أي نظامٍ سياسي أن يعترف بأن سنواتٍ طويلة من بناء النفوذ قد تتحول في لحظةٍ ما إلى عبءٍ عليه.
غير أن ما يجري اليوم يكشف أن النظام الإيراني يواجه مأزقًا صنع كثيرًا من ملامحه بيديه، حين بعثر أدوات قوته خارج حدوده، وظن أن توزيع الصواريخ والمسيّرات على جماعاتٍ متفرقة سيصنع له طوق حمايةٍ دائم.
لكن التاريخ العسكري يخبرنا بحقيقةٍ مختلفة؛ فالقوة حين تُبدَّد في أطرافٍ كثيرة، تتحول من عنصر ردعٍ إلى عنصر استنزاف.
لقد قامت استراتيجية طهران طوال عقود على بناء شبكةٍ من الأذرع والوكلاء، تُدار من خلف الستار، وتُستخدم حينًا للضغط السياسي، وحينًا لإرباك الخصوم.
غير أن هذه السياسة ـ التي بدت في لحظاتٍ كثيرة وكأنها توسّع النفوذ ـ كانت في جانبٍ آخر استثمارًا محفوفًا بالمخاطر. فكما يقول القائد الصيني سون تزو في كتابه فن الحرب: " كل حرب تقوم على الخداع، لكن الإفراط في الخداع قد يقود صاحبه إلى خداع نفسه".
وما نشهده اليوم أقرب إلى هذا المعنى؛ فالمشروع الذي بُني على تصدير الأزمات ؛ وجد نفسه أمام واقعٍ مختلف: الخصوم لم يعودوا يكتفون بالاحتواء، بل بدأوا برفع سقف الرد.
وهنا يظهر الخلل في الاستراتيجية التي راهنت طويلًا على أن الضرب سيبقى بعيدًا عن مركز القرار.
لقد بدت العنتريات التي صدّرتها طهران عبر أذرعها وكأنها تعبير عن قوةٍ مطلقة، لكنها في الحقيقة كانت ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ تعويضًا عن هشاشةٍ داخلية. والتاريخ السياسي مليء بالأمثلة على أن الضجيج الخارجي قد يكون ستارًا لقلقٍ داخلي.
وكما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: " حين يكثر الصراخ في الساحات، فاعلم أن الحقيقة تُبحث عنها في مكانٍ آخر".
إن الضربات التي بدأت تتسع اليوم تكشف معادلةً بسيطة: فالدول التي توزّع قوتها بلا حساب ؛ قد تجد نفسها عاجزة عن حماية مركزها حين تتغير موازين اللعبة.
وكما يقول المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب ليست إلا استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى".
فإذا كانت السياسة قائمة على تقديرٍ خاطئٍ للواقع ؛ فإن الحرب سرعان ما تكشف ذلك التقدير.
والحقيقة أن أحد أكبر أخطاء الأنظمة الأيديولوجية ؛ أنها كثيرًا ما تخلط بين الأمنيات والحقائق. فهي تبني قراراتها على تصوّرٍ ذهني لما ينبغي أن يكون، لا على ما هو كائن بالفعل.
وقد لخّص المؤرخ البريطاني آلان جون بيرسيفال تايلور هذه الفكرة بقوله: " الدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل حين تصدّق روايتها الخاصة عن نفسها".
إن النظام الذي اعتاد أن يملي شروطه على أذرعه ؛ يجد نفسه اليوم أمام مشهدٍ مختلف؛ فالقواعد التي فرضها على الآخرين تعود لتُفرض عليه.
ومن كان منطقه قائمًا على التصعيد الدائم ؛ يصعب عليه أن يتراجع حين تتغير الظروف.
وهنا تكمن المعضلة: فالتراجع يُقرأ ضعفًا، والاستمرار قد يقود إلى استنزافٍ أكبر.
ولهذا ؛ تبدو الصورة اليوم وكأنها تعيد تذكيرنا بحكمةٍ عسكرية قديمة: الزجاج لا يقارع الحجر. فحين تتراكم الأخطاء الاستراتيجية ؛ تصبح القوة نفسها عبئًا على صاحبها.
وقد قال المفكر السياسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي يومًا: "القوة التي لا تُحسن حساب حدودها، هي أسرع الطرق إلى فقدانها".
إن ما يحدث اليوم لا يعني بالضرورة سقوطًا فوريًا، فالدول قد تطيل عمر أزماتها بوسائل كثيرة.
غير أن المؤكد أن المشروع الذي بُني على وهم التمدد الدائم بدأ يواجه حقيقة الحدود.
وعندما تصل الأنظمة إلى هذه اللحظة ؛ فإنها تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: مراجعةٌ عميقة تعيدها إلى الواقعية، أو استمرارٌ في المكابرة قد يجعل السقوط مسألة وقت.
فالتاريخ ـ كما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد جوزيف توينبي ـ " لا يهزم الحضارات، بل يهزم عجزها عن الاستجابة للتحديات".
واليوم ؛ يبدو السؤال الحقيقي ليس: هل يواجه النظام الإيراني تحديًا؟
بل: هل يملك القدرة على الاستجابة له قبل أن تتحول العاصفة إلى قدرٍ لا يمكن الفرار منه؟!
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات