تقرير صحفي - شهد المطيري
لم يكن مشهد الحجاج وهم يبيعون أمتعتهم مقابل شربة ماء ليمر عابراً في وجدان السيدة زبيدة بنت جعفر؛ تلك اللحظة الإنسانية الصعبة في رحلة حجها عام 186هـ كانت بمثابة حجر الأساس لأعظم مشروع مائي في العصر الإسلامي. فبينما كان المهندسون يخشون وعورة جبال مكة وتكلفتها الباهظة، كانت رؤية زبيدة تتجاوز الحسابات المادية لتستقر عند غاية واحدة هي كرامة الإنسان، مطلقةً صرختها الشهيرة التي خلدها التاريخ: "اعملوا ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً"، لتبدأ ملحمة شق الصخور التي امتدت لسنوات من العمل المضني.
نشأت "عين زبيدة" من عبقرية هندسية سبقت زمانها، حيث لم تكن مجرد بئر عادية، بل شبكة معقدة من القنوات التي تنساب بجاذبية أرضية دقيقة من وادي نعمان إلى مشعر عرفات وصولاً إلى مكة المكرمة. سُمي هذا المشروع باسمها تخليداً لذكراها، بعد أن أمرت بشراء كافة الأراضي والمزارع في الأودية المحيطة لضمان استمرارية تدفق المياه، محولةً يباس الصحراء إلى واحة من الأمان المائي التي دامت تروي الحجاج لأكثر من ألف عام دون انقطاع، مما جعلها أيقونة تاريخية في سقاية البيت الحرام.
يتجلى الدور الإنساني لزبيدة بنت جعفر في أنها لم تكتفِ بتوفير الماء بمكة، بل خلقت نظاماً تكافلياً متكاملاً؛ فعلى طول "درب زبيدة" الممتد من الكوفة إلى مكة، أمرت ببناء 54 محطة تشمل بركاً، وآباراً، ومنازل لاستراحة الحجيج. وتذكر المصادر التاريخية الموثقة أن تكلفة المشروع بلغت قرابة مليون وسبعمائة ألف دينار ذهبي، وهي ميزانية ضخمة استهدفت حماية الضعفاء وكبار السن من مشقة الطريق، ليتحول المسار من طريق محفوف بالمخاطر إلى رحلة ميسرة تفيض بالرحمة والسكينة.
وفي موقف يجسد تجردها من حب المظاهر، يُروى أنها حين انتهى العمل وقدم لها المشرفون دفاتر الحسابات لتدقيقها، أخذتها وألقتها في النهر قائلة بلهجة الواثقة: "تركنا الحساب ليوم الحساب"، رافضةً مراجعة الأموال التي أنفقتها في سبيل الله. هذا الموقف لا يعكس فقط سخاءها، بل يقدم درساً في الإدارة الإنسانية التي تضع الأثر قبل الأرقام، مما جعل ذكراها تتردد مع كل قطرة ماء يستقيها حاج في تلك البقاع الطاهرة حتى عصرنا الحديث.
تؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن دارة الملك عبد العزيز أن طول القنوات الرئيسية لعين زبيدة بلغ نحو 30 كيلومتراً، متضمنة خرزات دقيقة تدل على مهارة البناء الإسلامي القديم. إن الحفاظ على هذا المعلم اليوم من قبل المملكة العربية السعودية وتوثيقه في اليونسكو ليس مجرد حماية لآثار حجرية، بل هو احتفاء بقصة امرأة آمنت بأن أعظم أنواع الاستثمار هو ما يروي عطش المحتاجين، تاركةً خلفها إرثاً لا يزال ينبض بالحياة في قلب مكة.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات