مشهدٌ يُفتت الصخر …
أيتامُ أرملة إيطالية، تركهم والدهم الفرنسي كما تُترك حقيبةٌ منسية في ركن صالة سفر، ومضى يلوّح بقبعته الحريرية، متذرعًا بموعدٍ في مقهى يطلّ على نهر الراين.!
يتسكّعون بين صالات المطارات ومحطات الأندرغراوند، يتعلّمون من لوحات المغادرة أن الأوطان لا تُختصر في شاشة، وأن الكرامة لا تحتاج إلى تأشيرة.!
ورثوا من أمهم زيت الزيتون ودفءَ الشرفات، لا موجات ماركوني ولا ريشة دافينشي، ومن أبيهم قاموسًا مزدوج اللغة … لا قوسًا للحرية ولا نصبًا تذكاريًا.! لكنه نسي أن يورّثهم دفتر العبودية الذي يريده الجلاد.!
ذنبهم أنهم لم ينحنوا لظلّه الطويل حين مرّ فوقهم، ولم يصفّقوا لصولجانه وهو يلوّح بوعودٍ معلبة كُتب عليها: أبطال … بطعم الحسرة!
كان الجلاد يا للمفارقة، يتحدث عن الحرية بلكنةٍ ناعمة، ويبيعهم دروس الكرامة على أقساطٍ مع فائدةٍ مركّبة، يعرض عليهم وظيفة سُخرة بمسمّى شراكة استراتيجية، ويمنحهم بدل سكنٍ في قبوٍ بلا نوافذ، شرط أن يبتسموا في الصور التذكارية، فإن اعترضوا قال: أنتم أيتام الحضارة! وكأن الحضارة تُقاس بطول السوط… لا بصفاء الضمير.!.
أما هم، فكانوا يتعلّمون الحساب بطريقةٍ مختلفة، يعدّون الكرامة قبل النقود،
ويقيسون الخسارة بما يُنتقص من الروح لا بما يُنتزع من الجيب، كانوا يضحكون سخريةً لا سذاجة، حين يُقال لهم: لا منبر ولا صوت لكم .! فيجيبون، أن يفتقر المرء إلى منبرٍ وصورةٍ وفلاش، خيرٌ من أن يفتقر إلى العلم والأخلاق والأمانة !
فلا خير فيمن جاع ضميره ليشبع غروره، وعلى مائدة الخبر وضوء القيم تُربّى المبادئ .!
وفي ليالي الانتظار الطويلة، حين تتأخر الرحلات وتبرد المقاعد المعدنية،
يأتي خبر وفاة الأب الفرنسي، وتلحق به الأم حسرةً على بعلها، فيعلم الأبناء أن العزّة معطفٌ لا يُرى، وأن الوقت قد حان لكتابة بيانٍ بمداد الكرامة.!.
وهكذا …
ظلّوا على قارعة الطريق، وكأن الطريق كان يتعلّم منهم معنى السير الطويل،
وظلّ الجلاد يلوّح بعقوده المذهّبة، بينما كانوا يلوّحون له بابتسامةٍ تقول،
لسنا للبيع … حتى وإن كان الثمن تذكرة عودةٍ إلى نهر السين.!
فلله درّ عزة النفس، وإن خالطها ألمٌ وظلم، فكم من مديرٍ مستعبد، وكم من خفيرٍ متسيّد! ولله در كل موظف كادح على عائلته او موظفة اخذتها الحمية لتقوم بما لم يقم به الرجال .!. اما الساخرون من حالهم فلا يعلمون أن التاريخ، ذاك العجوز الماكر، لا يدوّن أسماء من باعوا، بل يخلّد من رفضوا البيع .!.
ولو افترشوا أرض المطارات، واتخذوا من محطات الأندرغراوند منابرَ للكرامة .!
✍🏼علي بن عبدالله المالكي
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات