عبدالمحسن محمد الحارثي
في سماء الشرق الأوسط ؛ لم يعد الدخان مجازًا بل واقعًا يتشكّل على مهلٍ ثم يشتعل فجأة ؛ وكأنَّ البوصلة نحو دول الخليج وبعض الدول العربية.
أحداث اليوم السبت - وبداية الحرب - لم تعد تقبل التأويلات الرمادية، بل أخذت ألوانها الصارخة، حتى بات المشهد مكشوفًا: بارود خيانة دولية تفوح رائحته، وتنبئ بأن المنطقة تقف على عتبة مرحلة أكثر اضطرابًا، وأكثر صراحة في كشف التحالفات والنيات.
لقد أشعلت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شرارة هذا التصعيد، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل كجزء من سياقٍ ممتدٍّ يراد له أن يعيد رسم التوازنات على حساب أمن الدول العربية واستقرارها. فالضربات السياسية والإعلامية والعسكرية لا تتحرك في فراغ، بل تتجه -بوضوحٍ متزايد - نحو خاصرة المنطقة، حيث تتجاور الثروات مع الهشاشة الجيوسياسية، ويصبح الأمن هدفًا مباشرًا لا احتمالًا نظريًا.
لكن المفارقة اللافتة، والتي تستحق التوقف والتأمل ؛ أن أثر القوة الأميركية لم يعد بالحجم الذي كانت تفرضه في العقود الماضية.
الهيبة التي كانت تُصنع بالردع السريع ؛ صارت اليوم محل استفهام وتعجّب.
فهل تغيّر ميزان العالم؟ أم أن تعدد الجبهات استنزف القدرة على الحسم؟ أم أن القوى الصاعدة أعادت تعريف معنى النفوذ ذاته؟
أسئلة تتكاثر ؛ بينما الواقع يقدّم إشارات واضحة على تراجع القدرة على ضبط الفوضى التي تُشعلها السياسات نفسها.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية على الدول الخليجية والعربية.
لم يعد الترف السياسي ممكنًا، ولا الركون إلى مظلات خارجية خيارًا مأمون العواقب.
إن استحضار الحقيقة اليوم ليس ترف وعي، بل ضرورة بقاء..فالمشهد لم يعد يحتمل قراءة موسمية أو ردود أفعال متفرقة؛ بل يتطلب استنفارًا واعيًا ؛ يجمع بين صلابة القرار، وتماسك الصف، وتسريع مشاريع الاكتفاء الاستراتيجي في الأمن والاقتصاد والتقنية.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس النار المشتعلة، بل الاعتياد عليها..فالمنطقة التي اعتادت الأزمات قد تقع في فخ التطبيع مع الخطر، فتفقد حساسية الإنذار المبكر.
ومن هنا ؛ فإن بناء جبهة وعي عربية، قبل أي تحالفات أخرى ؛ هو الخطوة الأولى نحو تحصين الداخل وتوحيد البوصلة.
التاريخ يعلّمنا أن الأمم لا تُهزم حين تُستهدف، بل حين تتأخر في قراءة الاستهداف..وما يحدث اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل فصلٌ جديد من صراع طويل على الجغرافيا والدور والقرار.
ولذا ؛ فإن اللحظة تستدعي وضوحًا بقدر وضوح الخطر، وشجاعةً بقدر جسامة المرحلة.
إن بارود الخيانة حين يفوح، لا يكفي أن نشمّ رائحته… بل يجب أن نمتلك القدرة على إخماد شرارته ؛ قبل أن يتحوّل الدخان إلى حريقٍ لا يُبقي ولا يذر.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات