بقلم: عماد عمر طيب -
في أحد الأيام، وكعادتي، كنت أتجوّل في حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي لأطّلع على مستجدّات المشاركات، وما وصل إليه العالم من أحداث جديدة ومعطيات معلوماتية تثري معرفتي. فاستوقفني مقطع لأحد مدرّبي التنمية البشرية، يتحدّث بكلام جميل يبثّ في النفس إيجابية التغيير، ويمهّد لخارطة طريق محفّزة للعودة من منطقة التبلّد والخطأ، والثبات عليه.
نعم، هناك أمور حياتية اكتشفنا أنها خاطئة ويجب أن نغيّرها، ولكننا أقنعنا أنفسنا بأنها لا تتغيّر بسهولة، وأن تصرّفنا تجاهها سيكلّفنا الكثير من الجهد والوقت، بل وربما خسارة بعض الأشخاص في بعض الأحوال.
غير أنني وجدت في «نظرية الربع درجة» طريقًا ممهدًا وسهلًا وهادئًا للخروج من النفق دون خسائر تُذكر. فعلى صِغَر هذا التغيير، إلا أن تراكمه يُحدث التحوّل المنشود.
يقول مدرّبنا إنه درس هذه النظرية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في دورة تلقّاها على يد القائد السابق للقوات المشتركة إبّان حرب الخليج، نورمان شوارزكوف، الذي تحوّل بعد مسيرته العسكرية إلى مُنظّر يُقدّم المحاضرات والدورات في التنمية البشرية؛ ليستفيد مجتمعه من تجاربه المهنية والحياتية.
ويروي شوارزكوف أنه كان في جولة تفقدية لإحدى البوارج البحرية، وكان على متنها حين أبحرت. وبعد نحو ساعة، أخذ يسمع قائد البارجة يوجّه الملاحين في غرفة القيادة بقوله: «ربع درجة لليمين»، ويكررها مرات عديدة، واستمرّ على ذلك لأكثر من ساعة تقريبًا. أثار هذا الأمر فضول شوارزكوف، فانتظر الفرصة المناسبة ليسأل القائد أثناء تناولهما طعام الغداء: لماذا كنت تكرر جملة «ربع درجة لليمين» مدةً غير قصيرة؟
على الفور، اصطحبه القائد إلى غرفة التحكّم والسيطرة، وأوقفه أمام الشاشة، وشرح له أن اتجاه البارجة كان نحو الشمال، ثم أصبح نحو الجنوب، أي عكس الاتجاه تمامًا. ثم سأله: «هل شعرت، يا سيدي، بأننا أخذنا الاتجاه المعاكس لوجهتنا الأولى؟» فأجابه: «أبدًا».
وهكذا هي حياتنا؛ فقد نكتشف مع مرور الوقت أننا نسير في اتجاه خاطئ، لكننا نخجل من العودة حتى لا نُواجَه بالانتقاد، وربما نخشى خسارة أشخاص أو مواقف إذا عدنا بشكل فجائي وسريع. غير أن النظرية الربعية توفّر لنا عودة هادئة ومطمئنة.
فعلى سبيل المثال: التعوّد على قراءة صفحتين من القرآن الكريم يوميًّا، وقراءة حديثين من صحيحي -صحيح البخاري وصحيح المسلم- ، وممارسة الرياضة نصف ساعة، ومهاتفة اثنين أو ثلاثة من الأقارب يوميًا، والتصدّق ولو بالقليل على المحتاجين. كل هذه الأفعال تمثّل «ربع درجة لليمين». ومع تراكمها، ستجد نفسك - أيها الإنسان - في نهاية الشهر قد تحوّلت مئةً وثمانين درجة نحو الإتجاه المعاكس لاتجاهك الخاطئ، وجنيت ثمار «الربع درجة» نجاحًا بالدرجة الكاملة.
وقِس على الأمثلة السابقة ما يشابهها في حياتك؛ فلكلٍّ منا أخطاؤه التي ينبغي تعديلها بربع درجة إلى اليمين. فهل نقدر؟
كلمتان ونصف :
لا تستهِن بعمل الخير مهما قلّ حجمه أو مقداره؛ فالخير فوق الخير يصنع جبالًا من الخيرية، وربع درجة تُضاف إلى ربع درجة تُصبح نصف درجة، فلا تستقلّ الأرباع.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات