بقلم: أحمد الخبراني
في لحظة ضيق، يظن الإنسان أن القرار السريع هو أقصر الطرق للراحة. يوقّع استقالة، يطلب طلاقًا، يقطع علاقة، أو ينسحب من مسؤولية… ثم يتنفس بعمق ويقول: ارتحت.
وغالبًا، يكون صادقًا — لكن لفترة قصيرة فقط.
في البدايات، كل شيء يبدو خفيفًا. الاستقالة تُشعرك بالكرامة، والطلاق يُلبس اسم «الحرية»، والانسحاب يُسوّق على أنه شجاعة. لحظة نشوة عابرة، كأنك صفّقت لنفسك بعد معركة. لكن الزمن لا يقف عند هذه اللحظة، والمجتمع لا يحكم على النوايا، بل على النتائج.
أعرف شابًا استقال من عمله لأنه «ما عاد يحتمل». كان محقًا في شعوره، لكنه استعجل في قراره. في الأسبوع الأول كان سعيدًا، وفي الثاني مطمئنًا، وفي الثالث بدأ القلق. بعد أشهر، صار يراقب زملاءه السابقين وهم يترقّون ويستقرّون، بينما هو يبرّر للناس، ولِنفسه أكثر، لماذا تأخّر كل شيء.
وفي مثال آخر، امرأة طلبت الطلاق لا ظلمًا ولا قهرًا، بل بحثًا عن حرية رأت غيرها يتحدث عنها كثيرًا. في البداية شعرت أنها انتصرت لنفسها، وأنها خرجت من إطار لم يعد يرضيها. لكن بعد أن هدأت الضجة، التفتت حولها، فرأت زوجات أخريات مستقرات، آمنات، سعيدات بهدوء. لم تكن حياتهن مثالية، لكنها كانت مفهومة وقابلة للإصلاح. أما سعادتها، فكانت لحظية… انتهت أسرع مما توقعت.
وهناك من يقطع رحمه أو صداقته في لحظة انفعال، معتقدًا أن العزلة راحة. يكتشف لاحقًا أن الوحدة لا تُجيد المواساة، وأن بعض الخلافات كان يمكن تجاوزها بكلمة أقل حدّة وصبر أطول.
المشكلة ليست في القرار ذاته، بل في توقيته، ودافعه، وطريقته. القرارات المصيرية لا تُقاس بما نشعر به لحظة اتخاذها، بل بما سنعيشه بعدها، فالعقل حين يغيب، يدفع صاحبه ثمنًا مضاعفًا.
والمجتمع — مهما تظاهر بالتفهم — لا يرحم طويلًا. قد يتعاطف معك في البداية، لكنه سريعًا يضعك أمام سؤال صامت: وماذا الآن؟
والعمر يمضي، لا ينتظر من اتخذ قرارًا متعجّلًا ليعيد الحساب.
لست ضد الشجاعة، بل ضد التسرّع. ضد أن نخلط بين الهروب والحرية، وبين الغضب والحسم، وبين الراحة المؤقتة والحياة الطويلة، بعض القرارات لا تحتاج شجاعة أكثر، بل تحتاج وقتًا أكثر.
فكّر، استشر، انتظر قليلًا.
لأن متعة القرار السريع قد تُرضيك لحظة،
لكن نهايته… قد تُتعبك عمراً..
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات