المقالات

رمضان… دون نايف 💔

رمضان… دون نايف 💔

بقلم أحمد الخبراني

يأتي رمضان هذا العام، كما جاء في أعوام مضت، لكنه لا يشبهها. الهلال ذاته، والأذان ذاته، والمآذن ترتفع بالتكبير ذاته… غير أن شيئًا في الداخل تغيّر، شيئًا لا يُرى بالعين لكنه يُثقل القلب، رمضان دون نايف ليس شهرًا ناقصًا، فالشهر كامل ببركته، لكنه ناقص بضحكته.

 

كنتُ أظن أن الفقد يهدأ مع الوقت، وأن المواسم تتشابه، لكن رمضان تحديدًا له ذاكرة لا تنسى. كان نايف يستقبل الشهر بفرح صادق لا يعرف التصنّع؛ يترقب إعلان الرؤية، ويحسب الأيام، ويسألني قبلها بأسابيع: “باقي كم يوم على التراويح يا أبوي؟” وكأن التراويح موعد خاص بينه وبين السماء.

 

في أول ليلة، كان يمشي بجانبي إلى المسجد ممسكًا بيدي، لا لأن الطريق بعيد، بل لأن قلبه كان قريبًا. كان يصلي بخشوع يفوق عمره، يصوم بإصرار يفوق قدرته، ويتعامل مع رمضان كضيف كريم يجب أن يُحسن استقباله. لم يكن يصوم تقليدًا، بل محبةً. ولم يكن يقوم الليل عادةً، بل شوقًا.

 

  واليوم لم تعُد 

يده الصغيرة تشد على يدي، ولا صوت خافت يسألني في الصف: “كم ركعة باقي؟” لا وجه يلتفت إليّ بعد السلام بابتسامة المنتصر الذي أكمل المهمة. المكان ذاته، والصف ذاته، لكن الفراغ بين كتفيّ أوسع من أن يُرى.

 

رمضان دون نايف علّمني معنى آخر للصبر. كنت أظن أن الصبر هو احتمال العطش والجوع، فإذا به احتمال الذكرى. كنت أظن أن القيام هو طول الوقوف، فإذا به طول الاشتياق. كنت أظن أن الدعاء طلب، فإذا به حديث شوق لمن سبقنا إلى السماء.

 

في الإفطار، ما زلت أرتّب التمر كما كان يحب، وأضع الماء في مكانه المعتاد، ثم أتذكر أنه أفطر الآن في مكان أرحم وأوسع وأبقى. فأبتسم رغم الغصة، لأن الإيمان يهمس لي: هو ليس غائبًا… بل سابق.

 

يا نايف… يا قطعة القلب التي صعدت مبكرًا، رمضان هذا العام ليس كما كان، لكنه يحملني إليك أكثر. كل آية أقرؤها أهديك نورها، كل سجدة أطيلها أضع فيها اسمك، كل دعاء أختمه بك. لم يعد رمضان شهرًا نتقاسمه على مائدة واحدة، بل صار جسرًا من الدعاء يصل بين أرضٍ أمشي عليها وسماءٍ تسكنها.

 

أدركت أن الفقد لا يُطفئ الإيمان، بل يُنضجه. وأن الحزن لا يناقض الرضا، بل يكشف عمقه. وأن القلب حين ينكسر لله… يُجبر بطريقة لا يفهمها إلا من ذاقها.

 

في كل ليلة، أرفع يديّ وأسأل الله أن يجعل رمضانك أجمل مما عرفت، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعني بك في مقام لا فراق بعده. وأهمس لنفسي: من كان يصلي بجانبي في الدنيا، أرجو أن يكون شفيعي عند الله في الآخرة.

 

يا نايف… إن كان رمضان يُعلّمنا الرحمة، فأنت علّمتني معناها. وإن كان يُعلّمنا الزهد، فقد علّمتني أن الدنيا قصيرة مهما طالت. وإن كان يُقرّبنا من الله، فقد قرّبتني إليه بفقدك أكثر مما فعلت سنوات الراحة.

 

رمضان هذا العام… دونك.

لكنه بك في الدعاء.

دون صوتك…

لكنه ممتلئ بذكراك.

وما بين الغياب والرجاء، أعيش رمضان بقلبٍ فيه وجع… وفيه يقين . . . رحمك الله يا بُني،،