بقلم: عماد عمر طيب
لم تعد سهولةُ أدواتِ التواصل مع الجمهور مبررًا لأن يتصدّر مشهد المعلومة من لم يُهيَّأ لحمل أمانتها؛ فالمعلومة ليست كلماتٍ تُلقى جزافًا، بل مسؤوليةٌ تُحمَل، وأمانةٌ تُؤدَّى، وصياغةٌ دقيقةٌ قد يُغيّر خللُها المعنى، ويُربِك مقصدها، ويُنتج مفهومًا مغايرًا لحقيقتها.
إنَّ نقل المعلومة يحتاج إلى منهجٍ تخصصيّ أدقَّ مما يتصوَّر البعض؛ إذ إنّ طريقة العرض، وانتقاء المفردات، وسياق الطرح، جميعها عناصر قادرةٌ على توجيه الفهم وجهةً قد لا تعكس حقيقة الحدث. ومن هنا يبرز دور الإعلام المتخصص، الذي يُنير للمتلقي دروب الفهم، ويُبيِّن له كيف جرت الأمور، وماذا يترتب عليها، وما المتوقع حدوثه وفق معطياتٍ مشروحةٍ ومفنَّدة، لا وفق أهواءٍ عابرةٍ أو انطباعاتٍ مرتجلة.
غير أنّ ما نشهده في الآونة الأخيرة يدعو إلى التأمُّل؛ إذ غدا كثيرون يُطلقون على أنفسهم صفة «إعلامي»، وهم أبعد ما يكونون عنها. فإن ووجه أحدهم بعدم أهليته، خفَّف الوصف وقال: «أنا مشهور في منصات التواصل». وهنا لا خلاف على مفهوم الشهرة، غير أنّ الشهرة -في ذاتها- لا تمنح صاحبها صكًّا ليكون قناةً إعلاميةً تنقل نصوصًا رسميةً أو شعبيةً؛ وهنا، عند هذا المفصل، تتشكّل بؤرة الخطر، ومن هذه المساحة تولد الشائعة، ثم تنطلق لتبلغ الآفاق.
وكم من خبرٍ أُضيف إليه ما ليس منه، أو حُذف منه ما يكمِّله، طلبًا لما يُسمَّى «الترند»، لا رغبةً في نقل الحقيقة كما هي. وهكذا ينحرف الناقل عن الهدف الأصيل، ويقود عقول الناس إلى غايته الشخصية، في مسلكٍ يُنافي قواعد العمل الإعلامي وأخلاقياته.
فالإعلام رسالةٌ عظيمة، وأمانةٌ جسيمة، لا ينهض بها كلُّ أحد؛ إذ تحتاج إلى طاقاتٍ خاصة، ومواهبَ تُصقل بالتعليم، وتُهذَّب بالتدريب، وتُضبط وفق أطرٍ نظاميةٍ ورؤى مهنيةٍ تستند إلى أدبياتٍ وقوانين أرساها روَّاد هذا المجال. وهو -في جوهره- ممارسةٌ واعيةٌ تلتزم بالسياقات الوطنية، وتحترم الأنظمة، وتتحرك ضمن دائرة المسؤولية والانضباط.
إنها معادلةٌ دقيقة، تتطلَّب اتزانًا ذهنيًّا، ونضجًا نفسيًّا، وقدرةً على قراءة المشهد قراءةً شاملة. ومن هنا ينبع الاستياء حين يُرى بعضهم يخوض في هذا العلم بغير عِلم، ويمارسه بغير دراية، ويُطلق على نفسه لقبًا لا يعرف شروطه؛ ظنًّا منه أنَّ المشهور إعلامي، والحقيقة أنَّ كل إعلامي قد يُصبح مشهور، وليس كلَّ مشهورٍ إعلامي.
ولذا أهيب بالمتلقي - أولًا - ألَّا يستقي خبرًا إلا من مصدرٍ إعلاميٍّ رسمي، أو من منبرٍ مهنيٍّ موثوق؛ وألّا يجعل سمعه وعقله ساحةً لأصواتٍ تُلمِّع ظاهر الخبر، بينما تترك حقيقته مشوَّشة.
وأهيب - ثانيًا - بالجهات الإعلامية والرقابية أن تُحكم الأطر، وتُقنِّن الأدوار، وتُشدّد الضوابط، حتى لا يتسلل إلى حرم الإعلام كلّ دخيلٍ لا يعي قداسته ولا يدرك تبعاته.
كلمتان ونصف:
لا ترتدِ ثوبًا لا يليق بمقاسك.
قُل ما تشاء في دائرتك الخاصة، ولكن لا تُلقِ به على الملأ إن لم تكن مؤهلًا لحمله.
فالمريض لا يُعالجه إلا طبيب، والمبنى لا يُشيِّده إلا مهندس، والخبر لا ينقله -بحقٍّ وأمانة- إلا إعلامي.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات