المقالات

مداد المعنى ..بيان الميلاد

مداد المعنى ..بيان الميلاد

بقلم: عبدالمحسن محمد الحارثي

في زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات، وتتناقص فيه المعاني ؛ لا تكون البداية إضافة صوتٍ جديد إلى الضجيج، بل محاولة استعادة الهدوء الذي يولد منه الفهم.

 

ليست هذه زاوية تُعلن عن نفسها بقدر ما هي مساحة تبحث عن معناها؛

مساحة تُكتب لا لتملأ فراغ الصفحة، بل لتملأ فراغ السؤال.

 

“مداد المعنى” لا تنطلق من ادعاء جديد، بل من حاجة قديمة تتجدد:

أن تظل الكلمة بيتًا للحقيقة، لا مجرد مركبة للانتشار.

 

في زمن السرعة ؛ نبطئ قليلًا.

وفي زمن الوفرة ؛ نفتش عن الندرة.

وفي زمن القول الكثير ؛ نحاول أن نقول ما يستحق أن يُعاد إليه.

 

هذه الزاوية لا تُعادي الحداثة، لكنها لا تُسلّم لها بالقيادة؛

فالتقنية تُسرّع الوصول، لكنها لا تُعمّق الفهم،

والمنصات تُكثّف الصوت، لكنها لا تمنح المعنى وزنه.

 

“مداد المعنى” ليست مشروع رأي بقدر ما هي محاولة وعي؛

وعي يفرّق بين ما يُقال لأنه سهل، وما يُقال لأنه صادق.

وبين ما ينتشر لأنه لافت، وما يبقى لأنه نافع.

 

لسنا هنا لنكتب أكثر، بل لنكتب أصدق.

ولا لنسبق أحدًا، بل لنسبق الغفلة عن المعنى.

 

سنحاول في هذه المساحة أن نقارب الفكرة قبل أن تتحول إلى موقف،

وأن نزن الكلمة قبل أن تتحول إلى رأي،

وأن نترك للقارئ حق الاختلاف دون أن نترك له عبء الضجيج.

 

فالكلمة التي تُكتب لتُعجب، تموت سريعًا،

أما الكلمة التي تُكتب لتُبقي، فتجد طريقها ولو تأخر الزمن.

 

هذه ليست بداية مشروع كتابة،

بل بداية مشروع إنصات…

إنصاتٍ لما وراء الخبر، وما خلف المقال، وما بين السطور.

 

وإن كان لكل قلمٍ وعدٌ يقطعه على قارئه ؛ فوعد هذه الزاوية بسيط وصعب في آن:

أن نحاول — ما استطعنا — أن نكتب ما يبقى، لا ما يلمع.

 

فإن أصبنا ؛ فلأن المعنى كان أوسع منا،

وإن قصرنا ؛ فحسبنا أننا حاولنا أن نكون أوفياء له.

 

فالكلمات تمضي…

لكن المعاني وحدها تمكث .