✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
(قراءة في فراغ المحتوى عند العامّة)
ليست أزمة عصرنا في قلّة المنصّات ولا في شُحّ المتحدّثين، بل في فراغ المعنى وسط فائض الكلام.
ضجيجٌ لغويّ كثيف، ومحتوى هشّ، يُعاد تدويره بلا تمحيص ؛ حتى غدا “قيل وقال” هو المادة الخام للوعي العام، لا الفكرة ولا المعرفة.
يقول هايدغر:
«اللغة بيت الوجود»
وحين يُفرَّغ هذا البيت من الفكر، لا يبقى سوى جدران من أصوات، يسكنها الصدى لا المعنى.
التفكير السطحي لا ينتج محتوى، بل يستهلكه.
ولذلك ؛ نرى المحتوى الأكثر تداولًا لا يدور حول الثقافة، بل حول الأشخاص؛ أخبارهم، أسرارهم، وسقطاتهم..وكأن المجتمع استبدل سؤال: ماذا نعرف؟ بسؤال: ماذا نُقال عن فلان؟
وهنا يحضر تحذير أفلاطون حين قال:
«الرأي معرفة ناقصة»
فإذا صار الرأي بديلاً عن المعرفة ؛ اختلط الظن بالحقيقة، وذابت الحدود بين الفهم والسماع.
ولا يقلّ خطرًا عن ذلك "القراءة بلا استيعاب" ؛ فليست كل قراءةٍ غذاءً للعقل..القراءة مهارة، ومهارتها التركيز، والقدرة على التعليق الداخلي، وربط المعاني، لا استهلاك النصوص كما تُستهلك الأخبار..يقول فرنسيس بيكون:
«بعض الكتب تُذاق، وبعضها يُبتلع، وقليلٌ منها يُمضغ ويُهضم»
وأزمتنا أن كثيرًا مما نقرأه ؛ لا يُهضم، بل يمرّ عابرًا، فلا يترك أثرًا ولا يبني موقفًا.
وحين يجتمع الناس ؛ ينكشف هذا الفراغ بوضوح ، لا حُسن اختيار للموضوع، ولا وعي بوزن الكلمة ؛ فينزلق الحديث إلى مساحات شخصية، بعيدة عن الحوار الثقافي المقنّن الذي يُضيف ولا يستنزف ؛ فيتحوّل الحديث من تلاقح أفكار إلى تداول أخبار، ومن نقاش إلى ترديد.
وهنا ؛ تبرز خطورة المحتوى غير المنضبط ، إذ يقود – كما نبّه الشرع والعقل معًا – إلى غيبة أو نميمة أو نقل غير متحقَّق..وقد حذّر النبي ﷺ من هذا المسار حين يُستبدل التثبّت بالسماع، فيُقال: سمعت، دون أن يُقال: رأيت أو تحقّقت.
ويوافق ذلك قول ابن خلدون:
«كثير من الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تُحكّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران ؛ وقع الغلط».
ولعلّ الشعر أصدق ما يلخّص هذه الفكرة، إذ يقول المتنبي:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفتُه من الفهم السقيمِ
فالمشكلة ليست في كثرة القول، بل في سوء الفهم، ولا في تداول الحديث، بل في غياب الميزان.
فراغ المحتوى ليس مسألة لغوية ولا إعلامية فحسب، بل مسألة وعي وأخلاق معرفة.. يُعالج بإعادة الاعتبار للفكرة قبل الشخص، وللمعنى قبل الحكاية، وللسؤال قبل الإجابة.
فالأمم لا تُقاس بما تتداوله من كلام، بل بما تحرسه من معانٍ، وبما تصونه من صدقٍ في الحديث قبل أن تطلب صدقًا في الأفعال.
(1) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
التعليق
أبدعت أخي عبدالمحسن، بارك الله فيك ونفع بما قلت ..... L