بقلم: فلاح بن علي الزهراني
ما إن يدخل شهر الخير حتى تتهيأ النفوس للصوم، لقراءة القرآن، تتغشاها الرحمة تسكنها الطمأنينة، يتغير كل شيء، وكأنما رمضان غسيل لعوالق الروح الدنيوية، أو كأنما هو نقلة إيمانية لشطآن أخروية .. كيف لا؟! وقد صفدت الشياطين، لتبقى النفس رهينة بدينها لا بدنياها، وشواغلها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".
وكأنما الكون بأسره يتضامن مع البشر ليتشاطر تلك الروحانية، لتسكن الضوضاء، ليهدأ الصخب، ليعيش حالة من الاسترخاء والهدوء، ربما شعور غامر يعتلج في الدواخل يرى معه أن الصوم قد فرض على كل شيء من حوله، حتى الجوامد والأنجم في السماء .. يرى أن الأفق قد أنبلج بنور لم يكن من قبل، وأن هنالك رحمات تحفه من كل جانب، وأن نداء المساجد: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح لم يكن يعني هموا إلى الصلاة وحسب، بل أدخلوها بسلام، إذ تحولت المساجد لروضات الجنان تعج بالراكعين الساجدين، التالين لكتاب الله، الذاكرين الله كثيرا والذاكرات .. الأرواح لم تعد أرضية بل تحولت لسماوية تناجي ربها تضرعا وخشية، خوفا وطمعا، يقينا وحسن ظنٍ بالله، كيف لا؟! وحسن الظن منزلة عظيمة، لا يبلغه إلا من أشرب قلبه بالإيمان، من عُمر بالطاعة، من بلغ الإيمان به( حق اليقين) ليصل لمنزلة الرضوان والفوز بعطايا لا حد لها، مصداقا للحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي، فكيف ما يظن بي، إن ظنّ خيرا فله، وإن ظنّ شرا فله"
نعم، حسن الظن منزلة رفيعة تربأ بالمسلم عن الشكوك والريب في التعامل مع الخلق والخالق، إذ هو نقاء وصفاء وتصالح من الذات، هو غسيل للقلب من كل ما يكدر صفوها، إنه السهل الممتنع، إلا لمن قُدر له ذلك، جاء عن عبدالله بن عمر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟ فقال: "كلُّ مخمومِ القلب، صدوقِِ اللسان، قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفه، فما مخمومُ القلب؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هو التَّقيّ النَّقيّ، لا إثمَ فيه ولا بَغْي، ولا غِلّ ولا حَسَد".
• إنها الفرصة السانحة:
شهر رمضان مدرسة إيمانية، ترويض للأخلاق والتعاملات، تعديل للسلوك، تهذيب للنفس، تعويد على الصبر، إسكات لثورة الغضب، سكينة وطمأنينة، لحديث: "الصيامُ جُنَّةٌ، فلا يرفثْ ولا يجهلْ، وإنِ امرؤٌ قاتلَهُ أو شاتمَهُ فليقلْ: إني صائمٌ"
فمن لم يردعه صومه فلا حاجة لله به، فليكن الصوم للمسلم وجاء عن الخطأ والزلل، وليلزم لسان عن الغيبة والنميمة والسباب والشتائم، وليكف يده عن الاعتداء والبطش والانتقام، فمتى استشعر عظمة الصيام وجد أثره بالغا في نفسه، مقوما لكل جوانب حياته!.
• تربية وتقويم:
رمضان لم يعد شهرا عابر، إنه مربٍ حاذق، مؤدب لبق، مدرب ماهر، جاء عن جابر- رضي الله عنه، أن قال: " إذا صمتَ فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن يوم صومك عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء"
شهر رمضان تربية سلوكية يقوِّم ما عجز عنه المربون، يترك أثرا لا يمحى، يجدد النفوس، ويوقظ الوعي، تبصرة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات