المقالات

هندسة الوعي قبل بعثرة الجهد ‼️

هندسة الوعي قبل بعثرة الجهد ‼️

 

 

بقلم عبدالمحسن محمد الحارثي

لا يُنهك الإنسان كثرة ما يعمل، بقدر ما يُنهكه سوء ترتيب ما يعمل. فالعناء في الابتداء ليس عيبًا طارئًا، بل سُنّة ماضية ؛ لأن البداية هي لحظة المواجهة الأولى بين الرغبة والواقع، وبين الفكرة وممانعة التنفيذ. 
ولذلك قيل بحق إن كل شيء في بدايته صعب ؛ لا لأن الطريق خاطئ، بل لأن النفس لم تألفه بعد.

غير أن المشقة الحقيقية لا تكمن في صعوبة البداية وحدها، بل في الخلط بين الأهم والمهم، حين تُمنح الجهود لما يُنجَز سريعًا لا لما يُثمر عميقًا، ويُقدَّم ما يريح اللحظة على ما يخدم الغاية.
إن مبدأ «الأهم قبل المهم» ليس شعارًا تنظيريًا، بل قاعدة وعي ؛ لأن تقديم المهم على الأهم لا يصنع إنجازًا، بل يؤسس لندم مؤجَّل. 
وقد عبّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذا الخلل بدقة حين قال: «إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في عمل دنيا ولا آخرة»، فالعشوائية في الجهد لا تقل خطرًا عن التقاعس عنه.

وترتيب الأولويات، في جوهره ، قرار ثقيل الكلفة؛ لأنه يجبر الإنسان على المفاضلة لا الجمع، وعلى التأجيل لا التراكم. 
وحين يغيب هذا الترتيب ؛ لا يظهر الخطأ فورًا، بل يتسلل لاحقًا في صورة مراجعة موجعة نعبّر عنها بقولنا: «لو استقدمت من أمري ما استدبرت». 
وهي عبارة لا تُقال إلا بعد فوات الوقت، لكنها تكشف أن الخلل لم يكن في القدرة، بل في التقديم.

والحياة لا تُدار بالرغبات وحدها، بل بالحاجات، فالضرورات قبل الكماليات قاعدة لا تحتمل الجدل. من يبدأ بالكمال قبل أن يؤسس الضرورة ؛ كمن يزيّن الواجهة ويترك الأساس هشًّا. 
وفي هذا السياق تكتسب مقولة بيتر دراكر معناها العميق: «لا يوجد شيء عديم الجدوى أكثر من أن تنجز بكفاءة ما لا ينبغي إنجازه أصلًا»، فالإتقان لا يُنقذ العمل إذا كان في غير موضعه.

ولعل من أبلغ الصور التي تشرح ثِقَل البدايات ما يحدث للطائرة عند الإقلاع؛ إذ تستهلك في تلك اللحظة وحدها قرابة ربع وقود الرحلة، لا لأن المسافة أطول، بل لأن المقاومة أعنف. 
وهكذا هي المشاريع، والتحولات، وحتى مراجعات الذات؛ أكثرها كلفة في البداية، لكنها إن تجاوزت هذه المرحلة ؛ خفّ العبء واستقام المسار.

ومن يتعجل النتائج قبل أوانها، غالبًا ما يخسر الطريق والغاية معًا؛ لذلك صدقت الحكمة العربية حين قالت: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». فالصبر هنا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة عقلية تفرضها قوانين الأولويات.

في المحصلة ؛ ليست المشكلة في قلة الموارد، ولا في ضعف الطموح، بل في بعثرة الجهد قبل هندسة الوعي. 
ومن أحسن ترتيب أولوياته، واحتمل عناء الابتداء، وقدّم الضرورات، وميّز بين الأهم والمهم، خفّت عنه كلفة الطريق وإن طال، وقلّ ندمه وإن أخطأ التقدير. 
فالعبرة ليست بكثرة ما نبدأ، بل بحكمة ما نُقدِّم.