المقالات

الرسوم الجمركية الأمريكية... هل هي إجراءات اقتصادية أم أداة ضغط سياسية؟!؟

الرسوم الجمركية الأمريكية... هل هي إجراءات اقتصادية أم أداة ضغط سياسية؟!؟

✍🏼 ملهي شراحيلي

في عالمٍ تشابكت فيه المصالح التجارية مع التوجهات السياسية، واختلطت فيه الأفكار الاقتصادية، مع الرؤى السياسية، تأتي الرسوم الجمركية الأمريكية، لترسم للعالم خريطة جديدة، مبنية على المصالح الداخلية، في ضوء المتغيرات الخارجية، ولكن قبل الغوص في دلالات ومعاني الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية مؤخراً، لابد بدايةً من الإشارة إلى معنى وتعريف الرسوم الجمركية، في القاموس الاقتصادي. 

لكي ندرك ماهيتها، والفائدة منها، ومن ثم نحاول تحليل نتائجها وتداعيتها، لنقف على آثارها وانعكاساتها....

 

 

فأستميحكً عذراً، أخي القارئ الكريم، في أن اشرحها لك بحسب فهمي للاقتصاد العالمي، لابحسب مايراه خبراء المال والاقتصاد، وإن جاء شرحي مطابقاً لوصفهم، فحبّاً وكرامة، وإلا فذاك شأنهم، ولا يمهني أن تتوافق آرائي مع آرائهم بقدر مايهمني أن أوصل لك المعنى بأبسط الطرق وأسلها.

 

 

إن مما يسهّل علينا فهم الرسوم الجمركية، فهم السؤال التالي، قبل أن نحاول فهم الإجابة عليه:

كيف تتعامل دول العالم مع منتجات الدول الأخرى؟!؟

ثم كيف تتعامل دول العالم مع المنتجات الأمريكية؟! 

وأخيراً :

كيف تتعامل أمريكا مع منتجات تلك الدول؟!؟

 

مما لاشك فيه أن كل دولة من دول العالم، حريصة كل الحرص على دعم منتجاتها، وتشجيع الآخرين على الحصول عليها، من خلال تصديرها لهم، ولكي تدعم منتجاتها فإنها تفرض على منتجات الدول الأخرى (الواردات) رسوماً جمركية!.

هذا ماتفعله كل دول العالم تقريباً، ولكن بنسب متفاوته. 

وعليه فإن فكرة الرسوم الجمركية، فكرة أساسية بسيطة، تقوم على فرض رسوم جمركية على الواردات. 

ومن هذا المبدأ جاءت فكرة ترامب. 

فالولايات المتحدة الأمريكية تفرض رسوماً جمركية على الواردات.

والدول الأخرى تفرض رسوماً على المواد والسلع التي تستوردها من أمريكا. 

بإختصار: كل دولة من دول العالم بما فيها أمريكا تفرض رسوماً على المستوردين، أو بالأصح على الأشياء التي يتم جلبها من الخارج. 

 

والمفترض أن يكون هناك نوع من التوازن المتبادل، أليس كذلك؟

لكن المفاجأة أن ذلك غير حاصل!

 

 

فالفرق بين الرسوم التي تفرضها بعض الدول على المنتجات التي تصنعها الولايات المتحدة، مقارنةً بتلك التي تفرضها الولايات المتحدة على منتجات تلك الدول غير متناسب!!

ولذلك ماقام به ترامب، ليس سوى تصحيح للميزان التجاري للرسوم الجمركية ولكن على مستوى العالم.

 

ومما لايخفى على أحد أن دولاً عدة لديها اتفاقيات تجارة حرّة مع أمريكا، أي لا تكاد توجد رسوم جمركية (مثل كندا، أستراليا، المكسيك).

ودول تفرض رسوماً أقل أو قريبة من تلك التي تفرضها أمريكا (مثل دول شرق أوروبا وبعض دول إفريقيا).

 

بيد أن هناك دولاً تفرض رسومًا أعلى بكثير على المنتجات الأمريكية، وبعضها يبالغ إلى درجة تتجاوز 10 نقاط مئوية!!!.

 

وكما قيل قديماً : بالمثال يتضح المقال.

فعلى سبيل المثال:

الهند، الصين، البرازيل، جنوب إفريقيا… جميعها تفرض تعريفات جمركية، على المنتجات التي يستوردونها من الولايات المتحدة الأمريكية، أعلى بكثير مما تفرضه أمريكا على المنتجات التي تستوردها أمريكا منهم.

 

بعبارة أخرى:

أن الولايات المتحدة تفتح أسواقها إلى حدّ كبير، في حين أن كثيراً من شركائها يغلقون أسواقهم أو يضعون حواجز واضحة أمام المنتجات الأمريكية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا السلوك الاقتصادي، لايراد منه إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي، (إذا ما أخذنا الأمر على حسن نية) بقدر مايراد منه حماية المنتحات المحلية. 

وإن كان لهذا الأمر تأثير واضح على كفة الميزان التجاري، لصالح تلك دول، على حساب الاقتصاد الأمريكي، لاسيما مع تصاعد المنافسة العالمية.

ونظراً لزدياد العجز التجاري، وتنامي الشعور بأن “قواعد اللعبة ليست عادلة”، بدأ الداخل الأمريكي يضغط لإعادة النظر في سياسات التجارة.

وهذا ما حدث فعلًا:

لقد حاولت إدارات أمريكية متعاقبة، من ترامب، إلى بايدن، محاولةً إصلاح هذا الخلل التجاري، من خلال إعادة التفاوض على اتفاقيات تجارية.

وتم فرض تعريفات جمركية جديدة على دول مثل الصين.

وبدأت تتبلور سياسة “أمريكا أولًا” في التبادل التجاري.

وفي الحقيقة أن الفكرة أصبحت أكثر نضجاً مع عودة ترامب، إلى البيت الأبيض مجدداً، وتبني شعار: أمريكا أولاً.

مما ساهم في إعلان الرسوم الجمركية.

والتي شملت تقريباً جميع دول العالم، ولكن بنسب متفاوته، ومنتجات محددة.

 

إن العالم اليوم، ليس كما كان قبل عشر سنوات، والعولمة كما عرفناها في التسعينات وبداية الألفية، بدأت تتراجع.

الدول تتجه نحو حماية صناعاتها المحلية أكثر فأكثر، والولايات المتحدة، وإن كانت متأخرة في هذا التوجّه، لكنها تسير على الخطى نفسها الآن.

 

هذا بالجملة فيما يخص الرسوم الجمركية من الناحية الاقتصادية، ومعناها بإختصار: المعاملة الاقتصادية بالمثل.

ورغم أن رسوم ترامب، على بعض الدول لم تصل بعد إلى المثل، إلا أن نتيجة لتلك الرسوم، تهاوت أسواق المال في كثير من دول العالم، وتراجعت كثير من الأسعار، في أسواق النفط والذهب والمنتجات الاستهلاكية لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية. 

وهنا يتبادر السؤال:

لماذا تراجعت الأسعار، وهبطت الأسهم، وانخفض النفط؟!؟ طالما أن الموضوع ليس سوى تصحيح للميزان التجاري للولايات المتحدة الأمريكية مع دول العالم؟!؟

من وجهة نظري الشخصية، أن السبب في هذه الضجة الاقتصادية العالمية، ليست الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، وإنما هناك أسباب سياسية ونفسية، بعضها واقعية وأخرى وهمية.!!.

 

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرسوم الجمركية، حذّر وزير الخزانة الأمريكية، دول العالم، من الرد على تلك الرسوم.!!.

هذا التحذير من معانيه، أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة في تنفيذ هذه الرسوم، ولن تتراجع، وأن الاقتصاد الأمريكي أقوى اقتصاد في العالم، وأن أي تهديد للاقتصاد الأمريكي، بفرض رسوم تجارية مضادة، سوف ينعكس على اقتصاد تلك الدولة التي تفرضه.

 

ومع أن نتائج هذه الرسوم لن يتضح تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي، قبل ستة أشهر إلى عام من الآن، إلا أن الأسواق العالمية بما فيها الأمريكية، شهدت تراجعات وخسائر بالمليارات، وهذا لايعني بالضرورة أن هذه التراجعات والضجة الاقتصادية بسبب تلك الرسوم، لأن أثرها الاقتصادي لم يظهر بعد، ولن يظهر قبل ستة أشهر، مما يعني أن مايحصل الآن نتيحة الصدمة النفسية لهذا الإعلان، وهذا هو العامل النفسي، وهو عبارة عن صدمة عاطفية للأسواق، وسوف يتلاشى مع الوقت. 

 

لكن مما لاشك فيه أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، لن تغير الاقتصاد الأمريكي، فحسب، بل أن خريطة العالم الاقتصادية برمتها سوف ينالها التغيير، وربما يدخل العالم في حرب تجارية عالمية. 

 

لقد استفادت كثير من دول العالم، لاسيما دول الإتحاد الأوروبي، من التعريفات الجمركية الأمريكية المخفضة، مع ماكانت تجنيه من رسوم مرتفعة على وارداتها من الولايات المتحدة الأمريكية، خلال عقود من الزمن، وما ذلك إلا تعاطفاً ودعماً سياسياً من الولايات المتحدة الأمريكية لدول أوروبا، وهنا نأتي إلى الشق السياسي، من الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، فهي وإن كانت إجراءات اقتصادية تصحيحية، إلا أن لها بعداً سياسياً أعمق بكثير مما نتصور!!.

 

 

إن متانة وقوة الاقتصاد الأمريكي، مقارنة بالاقتصادات الأخرى، سواءً الأوروبية أو الصيني، أو غيرها من الاقتصادات، لاجدال فيه، وليس أوضح على ذلك من صياح أوروبا والصين وكندا، من رسوم ترامب. 

وهذا يعني أن جميع تلك الاقتصادات تستمد نشاطها وقدرتها على البقاء من الاقتصاد الأمريكي وليس العكس. 

ولأن ترامب، تاجر قبل أن يكون رئيساً، وبالمناسبة، واحدة من أهم وعود ترامب، الانتخابية كانت، تحرير الاقتصاد الأمريكي، بما يتماشى، مع شعاره: أمريكا أولاً، وهاهو ينفذ جزء من وعده بتحرير الاقتصاد الأمريكي.

وكونه تاجراً ولثقته في قوة ومتانة اقتصاد بلاده فقد اتخذ هذه الخطوة، صحيح أن ظاهرها تحرير الاقتصاد، ولكن باطنها الضرب الاقتصادي لأعداء أمريكا. 

 

 

إن الحرب التجارية التي بدأها ترامب، ضد الصين، في ولايته الأولى، جاء الآن ليس ليعيدها، بل ليضاعف نتائجها، ويعمّق أبعادها، لتشمل العالم كله وليس الصين فقط، وحتى لاتكون للصين عليه حجة، في انتقائها بالحرب التجارية دون باقي دول العالم، فقد وضع الحلفاء وخاصة الإتحاد الأوروبي، في المقدمة.

إن الأضرار الاقتصادية التي سوف تتكبدها أوروبا لن تكون كارثية على بعض بلدانها فقط، بل ربما تجعل تلك البلدان جزءً من أمريكا، لكي تحصل ولو على بعض الإعفاءات الجمركية، والحال كذلك ينطبق على دول أمريكا الشمالية والجنوبية، وفي المقدمة كندا والمكسيك. 

إن التبعية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية، لم تعد كافية، بل لابد من الانضمام للولايات المتحدة الأمريكية، ولاسبيل لذلك سوى الاقتصاد. 

 

الاقتصاد ليس فقط من خلال جمع أكبر قدر من المال نتيجة الرسوم الجمركية، بل واستخدام تلك الرسوم، كصواريخ عابرة للقارات، قادة على إصابة أقوى وأعتى الاقتصادات. 

 

 

ورغم أن المعركة الاقتصادية لاتزال في بدايتها، كون الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، تعمل على وردات تلك البلدان، فكيف إذا شملت الصادرات الأمريكية لتلك البلدان!؟!

عندها لن تضطر أوروبا لتخفيض رسومها على وارداتها من الولايات المتحدة الأمريكية، بل سوف تلغيها نهائياً، وسوف تقدم تنازلات ليست اقتصادية فحسب، ولا حتى سياسية، بل سيادية.

 

إن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، وإن كانت لا تتعدى في مفهومها الاقتصادي، من كونها ممارسة تجارية مشروعة بين الدول، إلا أنها في هذا التوقيت تحديداً، أداة تفاوضية، إن لم تكن قنبلة نووية، لن تؤدي إلى استسلام الخصوم فحسب، بل سوف تخضعهم للإدارة الأمريكية.

 

 وإذا ما أخذنا في الإعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية منخرطة في مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهي هنا لاتفاوض روسيا وأوكرانيا فحسب، بل تفاوض الصين ودول الإتحاد الأوروبي، وبخاصة بعد أن حاولت بعض دول أوروبا في التاثير على الرئيس الأوكراني، وبدأ في التراجع عن بعض ماتم الإتفاق عليه، سواء مع أمريكا أو مع روسيا.

لذلك فلابد من وضع الرسوم الجمركية الأمريكية في سياقها، وعدم النظر إليها منفصلة عما يجري في العالم، سواءً في حرب روسيا وأوكرانيا، أو حروب الشرق الأوسط.

 

 

وأخيراً، وليس آخراً، ربما يستاءل القارئ الكريم، عن تأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية على ادول العربية، وبخاصة المملكة العربية السعودية؟!؟

 

فمع أن الإدارة الأمريكية استثنت المنتجات النفطية من رسومها الجمركية، إلا أن الرسوم شملت باقي المنتجات وبنسبة ١٠% على جميع الدول العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية، بينما كانت على الصين بنسبة ٣٤% ، والإتحاد الأوروبي ٢٠%.

وهذا يؤكد أن الإجراء سياسي، ولكن بمفهوم اقتصادي. 

مع الأخذ في الإعتبار أن الإدارة الأمريكية منفتحة على التفاوض، مع أي دولة ترى أنها متضررة من الرسوم الجمركية التي فرضتها. 

مما يعني أن الدول المنفتحة على الاقتصاد الأمريكي، سوف تُعامل بطريقة مختلفة عن الدول المنغلقة.

بعبارة أخرى:

أن الدول التي تستورد من أمريكا، أكثر مما تصدر لأمريكا، سوف تحصل على إعفاءات ولو جزئية من الرسوم الجمركية، وبالتالي فإن تداعيات وتأثير الرسوم الجمركية الأمريكية، على الدول العربية، وبخاصة المملكة العربية السعودية، لاتكاد تُذكر، بل على العكس تماماً، وسوف يجني الاقتصاد السعودي مكاسب مباشرة وغير مباشرة، نتيجة الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية والعكس.

وكما قال الشاعر:

ومَنْ سَرَّهُ ألا يرى ما يَسُوؤُهُ

فلا يَتَّخِذْ شيئاً يخاف له فقدا.

MelhiSharahili@gmail.com