✍️ صلاح الغيدان
منذ أكثر من عشرين عاماً يتكرر الحديث عن موت الإعلام التقليدي ؛ ومع كل موجة تقنية جديدة يخرج من يعلن نهاية الصحافة والتلفزيون والإذاعة ؛ ثم تأتي أزمة عالمية أو حرب أو كارثة طبيعية ؛ فيعود الجميع إلى المؤسسات الإعلامية الموثوقة بحثاً عن الحقيقة.
نعم .. تغيرت طريقة وصول الخبر ؛ ولم تعد المؤسسات تحتكر النشر كما كان في الماضي ؛ لكن هناك فرقاً كبيراً بين احتكار النشر واحتكار المصداقية [ فالمنصات الرقمية كسرت الأولى و لكنها لم تلغِ الثانية ]..
وبالنسبة للخبر - في نظري الشخصي - فهو لا يولد في الهاتف ؛ وإنما يولد عند صحفي يجمع المعلومات ؛ ويتحقق منها ؛ ويوازن بين الروايات ؛ ثم يتحمل المسؤولية القانونية والمهنية والأخلاقية عما ينشر ؛ أما الهاتف فهو وسيلة توزيع وليس مؤسسة تحرير ..
ولو كانت المشاهدات وحدها تصنع الإعلام ؛ لكان أكثر صناع المحتوى مؤرخين وصحفيين ؛ ولما بقي للعالم وكالات أنباء أو غرف أخبار أو مراسلون في مناطق الحروب ؛ لكن الواقع يقول غير ذلك ..
فما زالت الحكومات والشركات الكبرى والأسواق المالية وحتى المنصات الرقمية نفسها ؛ تعتمد في أخبارها على المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء المهنية.
ومن يعتقد أن الإعلام التقليدي انتهى كلياً ؛ فليفسر لماذا ما زالت حقوق البث التلفزيوني تُباع بمليارات الدولارات ؛ ولماذا تتنافس أكبر شركات التقنية في العالم على شراء المحتوى الإخباري من المؤسسات الإعلامية ؛ الحقيقة أن الذي تغير هو طريقة الاستهلاك ؛ أما قيمة المحتوى المهني فما زالت ترتفع ؛ وأصبحت سلعة استراتيجية تُباع بعقود ضخمة ؛ أما الاعتقاد بأن الخوارزمية أصبحت بديلاً عن الحقيقة ؛ فهو من أكثر الأفكار خطورة ؛ لأنّ الخوارزمية لا تميز بين الخبر الصحيح والخبر المثير ؛ هي تفضل غالباً ما يجذب الانتباه ويحقق التفاعل ؛ حتى لو كان ناقصاً أو مضللاً ، ولهذا أصبحت الحاجة إلى الصحافة المهنية اليوم أكبر لا أقل ؛ صحيح أنّ الصناعة تعاني ؛ لكنها لم تمت.
قبل الختام أقول أنّ الإعلام يا سادة لا يُقاس بعدد المشاهدات وحدها ؛ وإنما يُقاس بحجم الثقة التي يمنحها للناس ؛ فالمعلومة التي قد تغير قرار مستثمر ؛ أو تؤثر في صحة إنسان ؛ أو تشعل أزمة بين دولتين ؛ لا يكفي أن تحقق ملايين المشاهدات ؛ لكنّها يجب أن تكون صحيحة.
الخلاصة ..
الإعلام التقليدي والإعلام الجديد ليسا خصمين ؛ هما شريكان متكاملان في منظومة واحدة ؛ أحدهما يطوّر أدوات الوصول ؛ والآخر يحافظ على معايير المهنة.
وليست القضية صراعاً بين إعلام تقليدي وإعلام جديد ؛ فكل مرحلة تاريخية تضيف وسيلة ولا تلغي ما قبلها ؛ الصحيفة لم تُلغِ الكتاب ؛ والإذاعة لم تُلغِ الصحيفة ؛ والتلفزيون لم يُلغِ الإذاعة ؛ والمنصات الرقمية لن تُلغي الإعلام المهني ؛ إنما المعركة الأزلية كانت وستبقى بين الصدق والكذب ؛ وبين التحقق والتسرع ؛ وبين المهنية والفوضى ؛ أما الوسائل فهي تتطور والقيم هي التي تبقى.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات