✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
"القوامة ليست تاجًا على رأس الرجل، بل حملٌ على كتفيه؛ لأن الرجال لا يُعرفون بما يأخذون من امتيازات، بل بما يتحملونه من مسؤوليات".
فهي واجبٌ ثقيل لا امتيازٌ خفيف
في زمنٍ ارتفعت فيه المطالبة بالحقوق، وخفت فيه لغة الواجبات ؛ أصبحت قوامة الرجل تُقدَّم أحيانًا على أنها سلطة ذكورية أو امتياز تاريخي، بينما حقيقتها أبعد ما تكون عن ذلك.
فالقوامة في جوهرها ليست مكسبًا للرجل، بل أمانةٌ في عنقه، ومسؤوليةٌ يسأل عنها أمام الله والناس.
فلو كانت القوامة امتيازًا ؛ فلماذا ارتبطت بالنفقة؟ ولماذا اقترنت بالحماية وتحمل الأعباء؟ ولماذا كان الرجل أول من يُستدعى عند الشدائد، وآخر من يُعذر عند التقصير؟
إن القوامة ليست كرسيًّا للسيادة، بل مقعدًا للمحاسبة.
فالرجل في مفهوم القوامة ليس من يُصدر الأوامر، بل من يتحمل النتائج.
إنه جدار الأمان إذا هبّت العواصف، والسقف الذي يحتمي به أهله إذا تقلبت الأيام، والكتف التي تُلقى عليها الأعباء حين تضيق السبل.
ومن أعجب التناقضات أن بعض الأصوات تدعو الرجل إلى التخلي عن قوامته، لكنها لا تطالبه بالتخلي عن النفقة، ولا عن الحماية، ولا عن تحمل الأعباء عند الأزمات.
يريدون إسقاط المسؤولية لفظًا، والإبقاء على آثارها واقعًا؛ وما هكذا تُبنى الأسر، ولا هكذا تستقيم الموازين.
لقد قامت الأسرة الإنسانية عبر التاريخ على تكامل الأدوار لا تماثلها؛ فالعدالة لا تعني التطابق، والمساواة لا تعني إلغاء الفروق، والرحمة لا تعني تذويب المسؤوليات.
وما من مؤسسة ناجحة إلا ولها مرجعية واضحة تتحمل القرار وتبعاته، والأسرة أولى الناس بذلك.
وقد قيل: "السفينة التي يكثر ربابنتها يضيع شاطئها".
والبيت الذي بلا قيادة لا يلبث أن تتنازعه الأهواء وتضيع فيه المسؤوليات.
والمشكلة لم تكن يومًا في القوامة، بل في سوء فهمها وسوء تطبيقها.
فالرجل المستبد لا يمثل القوامة، كما أن الحاكم الظالم لا يلغي الحاجة إلى الدولة.
والانحراف في التطبيق لا يفسد المبدأ.
إن القوامة التي جاء بها الإسلام لا تعطي الرجل حق الإهانة ولا التسلط ولا الاستعلاء، بل تفرض عليه أن يكون أوسع صدرًا، وأكثر حلمًا، وأعظم تضحية. ولذلك قال سيد الخلق محمد بن عبد الله: "خيركم خيركم لأهله".
فجعل معيار الخيرية حسن المعاملة، لا شدة السلطة ولا علو الصوت.
وقال الأديب مصطفى صادق الرافعي: "الرحمة هي العبقرية الكبرى في القلب".
ولا قوامة بلا رحمة، ولا قيادة بلا احتواء.
إن الرجل الحقيقي ؛ لا يقيس قوامته بمقدار ما يُطاع، بل بمقدار ما يحمي، وما يبذل، وما يضحي.
فالقوامة أن تسهر لينام غيرك، وأن تتعب ليستريح غيرك، وأن تخفي قلقك ليشعر غيرك بالأمان.
وإذا كانت الأم تحمل أبناءها في رحمها أشهرًا ؛ فإن القوامة تطالب الرجل أن يحملهم في قلبه ومسؤوليته عمرًا كاملًا.
ولعل الشعر قد اختصر هذا المعنى البديع حين قال:
إنَّ القِوامةَ أنْ تَبيتَ مُثقَّلًا
هَمًّا…ويَصحو مَن تُحبُّ مُنعَّمَا
فالرجل القَوّام لا يطلب الراحة قبل أهله، ولا الأمان قبل أسرته، بل يجد سعادته في طمأنينتهم، وراحته في استقرارهم.
ثم إن القوامة في أسمى معانيها ؛ ليست تقدُّمًا إلى المغانم، وإنما تقدُّمٌ إلى المغارم؛ ولذلك يصدق فيها القول:
إنَّ القِوامةَ أنْ تَكونَ مُقدَّمًا
في البأسِ، مُؤخَّرَ الحُظوظِ إذا جَرَتْ.
وهذه هي القوامة التي أرادها الإسلام: أن يكون الرجل أول من ينهض عند الشدائد، وآخر من يجلس عند اقتسام الحقوق؛ يحمل من الأعباء أكثر مما ينال من المزايا، ويؤدي من الواجبات أكثر مما يطلب من الامتيازات.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا قُوِّم الرجل على أسرته؟ بل: من الذي سيتقدم لتحمل الأعباء إذا تخلّى الرجل عن قوامته؟
إن البيوت لا تُهدم بوجود القوامة، وإنما تُهدم حين تتحول إلى استبداد، أو حين يتخلى الرجال عن مسؤولياتهم، أو حين يُراد للأسرة أن تكون بلا قائد ولا مرجعية.
فالقوامة ليست حقَّ الرجل أن يُطاع، بل واجبه أن يحفظ ويصون ويعول.
وليست أن يكون فوق أسرته، بل أن يكون أمامها عند الخطر، وخلفها عند اقتسام المكاسب، وبين أفرادها قلبًا يحمل هموم الجميع.
وإذا كانت السلطة تُمنح ؛ فإن القوامة تُحمَل؛ وإذا كان الامتياز يُفرح صاحبه، فإن القوامة تُثقِل صاحبها.
القوامة ليست أن يملك الرجل من في البيت، بل أن يحمل البيت بمن فيه.
وليست أن يُقدَّم في الحقوق، بل أن يُقدَّم إلى الواجبات.
فمن كان أشدَّ تضحيةً ؛ كان أحقَّ بحمل أمانة القوامة.
إنها مسؤوليةٌ تُحمَل لا سلطةٌ تُمنَح، وواجبٌ ثقيل لا امتيازٌ خفيف، وأمانةٌ لا وجاهة، وتضحيةٌ لا سيادة.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات