المقالات

الحادية عشرة والنصف… توقف شيء في داخلي

الحادية عشرة والنصف… توقف شيء في داخلي

 

بقلم ✍️ أحمد الخبراني 

في مثل هذه الليلة، وعند الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً، يعود بي الزمن إلى عامٍ مضى، إلى لحظةٍ لم تكن مجرد خبر وفاة، بل لحظة انقسم فيها العمر إلى ما قبلها وما بعدها. ففي ليلة الثامن من محرم من العام الماضي، رحل ابني نايف إلى جوار ربه، ورحل معه جزءٌ من قلبي لن يعود.

مضى عام كامل، لكنني لم أستطع أن أتعامل مع غيابك كأنه عام. فما زالت ملامحك حاضرة في كل زاوية من زوايا المنزل، وما زال صوتك يتردد في الذاكرة كلما خيّم الصمت، وما زلت أراك في تفاصيل الحياة اليومية التي كنت جزءًا منها. أبحث عنك في الأماكن التي اعتدت أن تكون فيها، وفي الأحاديث التي كنت طرفًا فيها، وفي الأحلام التي رسمناها معًا للمستقبل.

ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم ليس رحيلك وحده، بل تلك الأحلام الصغيرة التي كنت تحملها بين يديك وتنتظر تحققها بشغف الأطفال. فهذا العام كان من المفترض أن يكون عام تخرجك من المرحلة الابتدائية، العام الذي كنت تتحدث عنه كثيرًا، وتنتظر أيامه بفارغ الصبر. كنت تنظر إلى من سبقوك من الخريجين بإعجاب، وتتخيل نفسك بينهم، وتحدثني ببراءة وفرح عن ذلك اليوم الذي سترتدي فيه البشت الأسود وتقف أمام الجميع فخورًا بإنجازك.

وما زلت أتذكر سؤالك الذي كنت تردده كلما اقترب الحديث عن التخرج: “متى ألبس البشت الأسود يا أبوي؟”

كنت تظن أن البشت الأسود هو عنوان الفرح القادم، وأنه بوابة مرحلة جديدة من عمرك الجميل، وكنت أنا أبتسم وأنا أراك ترسم تلك الأحلام الصغيرة بعفوية الأطفال ونقائهم. كنت أنتظر ذلك اليوم كما كنت تنتظره أنت، أنتظر أن أراك واقفًا بين زملائك، وأن ألتقط لك الصور، وأن أصفق لك بكل فخر، وأن أرى الفرحة تملأ عينيك.

لكن الله سبحانه وتعالى اختار لك طريقًا آخر.

لم ترتدِ البشت الأسود الذي حلمت به على منصة التخرج، ولم يأتِ اليوم الذي كنت تنتظره، بل سبقك القدر إلى موعدٍ لم يكن في الحسبان. وبينما كنت تحلم بارتداء البشت الأسود في حفل التخرج، زُففت بالبشت الأسود إلى قبرك، وانتقلت إلى رحمة الله قبل أن تتحقق تلك الأمنية البسيطة التي كنت ترددها على مسامعي.

لقد مضى عام على رحيلك، لكن الشوق لم يمضِ، والذكريات لم تغب، والدعاء لك لم ينقطع يومًا واحدًا. ما زلت أفتقدك في كل مناسبة، وما زلت أشتاق إلى صوتك وضحكتك وأسئلتك البريئة، وما زلت أؤمن أن الله جمع لك من الرحمة والنعيم ما هو خيرٌ من الدنيا وما فيها.

وفي هذه الليلة، وفي هذه الساعة التي ما زالت محفورة في قلبي، لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء وأقول: اللهم كن مع ابني نايف وارحمه، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له فيه نورًا لا ينطفئ، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجمعني به في الفردوس الأعلى من الجنة حيث لا فراق ولا وداع.