✍🏼علي بن عبدالله المالكي
في كل مرة يُطرح فيها موضوع الجودة والتميز المؤسسي، تتجه الأنظار إلى الشهادات والجوائز والمؤشرات والأرقام، وهي بلا شك عناصر مهمة تعكس جانباً من نضج المؤسسات وتطورها .. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تحقيق الجودة يعني بالضرورة تحقيق التميز؟
من وجهة نظري، وبعد متابعة ومواكبة مراحل مختلفة من تطور نماذج الجودة والتميز، أرى أن هناك فرقاً كبيراً بين المفهومين، فالجودة تمثل أحد أعمدة التميز، لكنها ليست التميز ذاته، قد تنجح المؤسسة في بناء أنظمة حوكمة متقدمة، وتحقق نتائج مالية وإدارية متميزة، وتحصد شهادات الاعتماد، ومع ذلك تبقى بعيدة عن التميز الحقيقي إذا لم تنجح في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الصدق والشفافية.
الشفافية هنا لا تعني فقط الإفصاح المالي أو وضوح الإجراءات الإدارية، بل تعني قبل ذلك شفافية الموقف، وصدق الكلمة، والتطابق بين ما يقال وما يمارس على أرض الواقع ..!
فكيف يمكن أن نتحدث عن التميز بينما ما زالت بعض المشكلات يتم تجاوزها تحت شعار "دعها تمر"؟ وكيف يمكن أن نبني مؤسسة متفوقة إذا كان البعض يقدم صورة مثالية أمام المسؤولين بينما يعلم الجميع أن الواقع مختلف؟
الحقيقة أن المؤسسات لا تتعثر بسبب المشكلات بقدر ما تتعثر بسبب إنكارها .!. فوجود الخلل أمر طبيعي في أي بيئة عمل، لكن الخطير هو التعايش معه أو تجميله أو تقديمه على أنه نجاح .!
الطبيب لا يستطيع معالجة مريض ينكر أعراضه، وكذلك المؤسسة لا تستطيع التطور إذا كانت ترفض الاعتراف بنقاط ضعفها .! ولذلك فإن أول خطوة في طريق التميز ليست الفوز بجائزة، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن هناك أموراً ما زالت تحتاج إلى تحسين وتطوير مستمر .!
المؤسسات الناضجة لا تخشى سماع الحقائق الصعبة، بل تبحث عنها، وهي لا تعتبر كشف الخلل تهديداً، بل فرصة للتطوير .. وعندما يصبح الموظف قادراً على القول (لدينا مشكلة هنا)، دون خوف من اللوم أو العقاب أو التشكيك في ولائه، فإن المؤسسة تكون قد قطعت شوطاً كبيراً نحو التميز الحقيقي ...
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي شركة او مؤسسة ليس وجود المشكلات، وإنما غياب الأصوات الصادقة التي تكشفها .! فالصمت لا يصنع نجاحاً، والتجميل لا يصنع تميزاً، والتقارير المتفائلة لا تغير من الواقع شيئا .!.
التميز الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة للنظر إلى المرآة كما هي، لا كما نحب أن نراها .! وعندما يصبح الاعتراف بالتقصير فضيلة مؤسسية لا تهمة إدارية، عندها فقط يمكن القول إن مؤسستك تسير في الاتجاه الصحيح نحو التميز .!
فالطريق إلى النجاح لا يبدأ بإقناع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام، بل يبدأ بالاعتراف الصادق بما يحتاج إلى أن يكون أفضل مما كان ..!
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات