✍🏽سعيد العجل
ما إن يفتح المريض عينيه بعد عملية جراحية معقدة أو يستعيد وعيه إثر غيبوبة طالت أيامًا أو أسابيع . حتى يبدأ باستقبال الوجوه التي جاءت حبًا واطمئنانًا عليه. وهي لحظات يفترض أن تكون مفعمة بالرحمة والسكينة إلا أنها تتحول أحيانًا دون قصد إلى موقف مرهق للمريض.
يتكرر مشهد يكاد يكون مألوفًا في كثير من الزيارات إذ يقترب أحد الزوار مبتسمًا ويقول: “هل تعرفني؟” أو “من أنا؟”. وما إن يجيب المريض أو يعجز عن الإجابة حتى يأتي زائر آخر بالسؤال نفسه ثم ثالث ورابع حتى يشعر المريض وكأنه في قاعة اختبار وليس على سرير يتعافى فيه من رحلة علاجية شاقة.
قد يظن البعض أن هذا السؤال عفوي أو يحمل شيئًا من الدعابة، لكنه في حقيقة الأمر قد يضع المريض تحت ضغط نفسي لا يحتاج إليه في تلك المرحلة الحساسة. فالدماغ بعد العمليات الكبرى أو بعد الغيبوبة يحتاج إلى وقت ليستعيد نشاطه الطبيعي وقد تتأثر الذاكرة والتركيز مؤقتًا بسبب التخدير أو طبيعة المرض أو الإرهاق الجسدي والنفسي.
ليس من العدل أن نربط محبة المريض لنا بقدرته على تذكر أسمائنا في تلك اللحظة. فالمحبة لا تُقاس بقوة الذاكرة والوفاء لا يختبر على سرير المرض.
زيارة المريض من أعظم صور التراحم بين الناس، وقد حث عليها ديننا الإسلامي لما فيها من جبر للخواطر وتخفيف للآلام وإحياء لمعاني الأخوة. لكنها تفقد شيئًا من جمالها عندما تتحول إلى أسئلة متتابعة تستنزف المريض ذهنيًا أو إلى أحاديث طويلة ترهقه أو إلى مواقف يشعر فيها بأنه مطالب بإثبات قدرته على التذكر والإجابة.
الأجمل أن يدخل الزائر بهدوء ويسلم ثم يعرف بنفسه إن شعر أن المريض قد لا يتذكره فيقول مثلًا: “أنا فلان، جئت لأطمئن عليك وأسأل الله أن يمن عليك بالشفاء.” بهذه الكلمات يرفع الحرج عن المريض ويمنحه شعورًا بالأمان والراحة بدلًا من أن يضعه في موقف قد يشعره بالعجز أو الإحراج.
كما ينبغي أن ندرك أن أفضل هدية نقدمها للمريض ليست كثرة الكلام وإنما الكلمة الطيبة والدعاء الصادق والابتسامة الهادئة والزيارة الخفيفة التي تترك أثرًا جميلًا في نفسه دون أن تثقل عليه.
إن المريض لا يحتاج إلى من يختبر ذاكرته بل إلى من يواسي قلبه. ولا يحتاج إلى من يذكّره بما فقده من قوة بل إلى من يمنحه الأمل فيما سيستعيده بإذن الله.
فلنجعل من زياراتنا رسالة رحمة ومن كلماتنا دواءً، ومن حضورنا مصدر طمأنينة. فرب كلمة طيبة تُعيد إلى المريض شيئًا من قوته ورب سؤال في غير موضعه يترك في نفسه أثرًا لا نشعر به.
رفقًا بالمرضى .
فالزيارة خلق ورحمة ودعاء وليست امتحانًا للذاكرة ولا اختبارًا للمشاعر
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات