مكة المكرمة- مرفت طيب
أسّس منتدى مكة للحلال لمرحلة جديدة من الريادة السعودية عالميًا، ناقلًا القطاع من دائرة النقاشات إلى فضاء العمل المؤسسي المنظم؛ حيث شهد المنتدى إطلاق حزمة من الممكنات الاستراتيجية التي تستهدف جعل المملكة المرجعية الأولى لهذه الصناعة.
وفي مقدمة هذه الخطوات، جاء إطلاق الجهات المعنية لـ«أكاديمية حلال» وتدشين «شعار حلال الذهبي»؛ لتمثّل هذه المبادرات خارطة طريق سعودية تمنح الأسواق العالمية معايير موحَّدة للثقة، وتعزز من تنافسية المنتج الوطني كخيار أول يجمع بين الامتثال الشرعي والجودة العالية.
منظومة تكاملية.. من الامتثال إلى الصناعة
في المسار التنظيمي، تتجاوز رؤية المركز السعودي لحلال الدور التقليدي المتمثل في الرقابة الدينية؛ حيث أسهمت جهود المركز في إعادة تعريف القطاع من كونه إطارًا للامتثال الديني فحسب، إلى منظومة صناعية واقتصادية احترافية متكاملة.
هذا التحول استند إلى ركائز صلبة تمثلت في تطوير علامة حلال عالمية موثوقة، وإطلاق أكاديمية الحلال العالمية لتأهيل الكفاءات المتخصصة، إضافة إلى بناء منظومة رقمية متقدمة تسهّل إجراءات الاعتماد والتتبع وتعزز الشفافية. هذه العناصر مجتمعة لم ترفع مستوى ثقة المستهلك العالمي في المنتجات الحلال فحسب، بل ساهمت في تسهيل التجارة عبر الحدود، وتعزيز تنافسية المنتجات السعودية في الأسواق الدولية.
ولا يقف طموح المركز عند حدود تعزيز "التعاون" بين الدول، بل يسعى إلى الانتقال إلى مرحلة "التكامل"، عبر توحيد المعايير والعلامات والتكامل الرقمي، بما يحقق انسيابية أكبر في حركة المنتجات الحلال ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد العالمية.
توطين سلاسل القيمة.. من المصدر إلى الرف
وعلى الجانب الاستثماري، تعمل شركة تطوير منتجات الحلال على استثمار الثقل الديني والتنظيمي للمملكة بصفتها مرجعية عالمية؛ لتحويل هذه المكانة إلى منظومة صناعية واقتصادية متكاملة.
وتعكف الشركة على توطين سلاسل القيمة بالكامل، من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الصناعية، وتمكين الشراكات الاستراتيجية، وجذب الخبرات العالمية إلى داخل المملكة، مع التركيز على نقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية. وتهدف هذه الجهود لبناء منظومة تشمل الإنتاج، والخدمات اللوجستية، والحلول الرقمية، بما يعزز المحتوى المحلي، ويساهم في إحلال الواردات وخلق فرص تصديرية جديدة؛ ليكون الهدف بناء مركز عالمي لصناعة الحلال ينطلق من السعودية إلى العالم.
سدُّ الفجوات الاستراتيجية.. والجودة كمعيار تنافسي
وفيما يتعلق بتحويل "الالتزام الشرعي" إلى ميزة تنافسية، تؤكد استراتيجية الشركة أن الالتزام الشرعي هو الأساس، ولكنه ليس نقطة النهاية؛ فالعمل يجري على تحويل "الحلال" من كونه متطلبًا تنظيميًا إلى معيار جودة شامل يجمع بين الامتثال الشرعي، والرقابة الصارمة، والتتبع الرقمي، وأعلى المعايير الصناعية. فعندما يقترن الحلال بالجودة العالية والكفاءة التشغيلية والالتزام بالاستدامة، يتحول إلى ميزة تنافسية حقيقية تجعل المنتج السعودي الخيار الأول للمستهلك في الخارج، لتصدر المملكة بذلك "ثقة" بمعايير دولية، لا مجرد منتجات.
وفي خطوة لسدِّ الفجوات في القطاعات المتقدمة والمعقدة، مثل الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل التي تعتمد غالبًا على مواد خام مستوردة، تركز استثمارات الشركة على بناء قدرات إنتاجية محلية في هذه المجالات، عبر شراكات نوعية وتطوير مصانع متخصصة لتوطين التقنيات المرتبطة بالمكونات الخام.
هذا التوجه يضمن سلامة السلسلة بالكامل، ويحقق التكامل الشامل بحيث تكون دورة الإنتاج -من المادة الخام إلى الرف- قائمة على استثمارات وطنية ومعايير سعودية وقدرات تشغيلية محلية؛ مما يعزز الاستدامة الصناعية للقطاعات الغذائية والدوائية، ويرسّخ مكانة المملكة كمحور عالمي لصناعة الحلال.
العلامات الوطنية تترجم "الثقة" إلى صادرات عالمية
تكتمل الصورة النظرية والتشريعية بتجارب حية من أرض الواقع؛ حيث تمثل العلامات التجارية الوطنية البرهان العملي على نجاح هذه التحولات. وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة رشا الصانع، المدير العام والشريك المؤسس لمصنع "رويا" للمنتجات الغذائية، أن الحصول على "ختم حلال" السعودي لم يعد مجرد إجراء روتيني، بل تحول إلى رحلة تدقيق صارمة تمنح المنتج ميزة تنافسية كبرى.
وتوضح الصانع أن الوصول إلى هذا الختم يتطلب اجتياز سلسلة معقدة من الفحوصات، تبدأ بضمان سلامة المنشأة وجودة التصنيع؛ وفق اشتراطات هيئة الغذاء والدواء والمعايير العالمية (ISO)، وصولًا إلى التدقيق النهائي من المركز السعودي للحلال. هذا المسار الطويل يجعل من العلامة "شهادة جودة شاملة" للمنشأة والمنتج معًا، وليس مجرد وثيقة امتثال شرعي.
منتدى مكة.. منصة لاختصار المسافات
وعن الدور المحوري الذي لعبه المنتدى في فتح الأسواق الدولية، أشارت الصانع إلى أن وجود الوفود الدولية والبعثات التجارية في مكة المكرمة اختصر سنوات من الجهد التسويقي. فبدلًا من صعوبات إرسال العينات إلى الخارج، أتاح المنتدى للشركاء الدوليين تجربة المنتجات السعودية ومعاينتها على أرض الواقع، مما فتح آفاقًا لتصدير المنتجات حاليًا إلى الولايات المتحدة والأسواق العربية، مع مفاوضات واعدة نتجت عن اللقاءات المباشرة للدخول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية.
"صُنع في السعودية" وختم "حلال".. معيار عالمي للنظافة والجودة
وتختتم الصانع رؤيتها برسالة لرواد الأعمال، مؤكدة أن شعار "صنع في السعودية" المُقترن بختم "حلال" بات يحظى باحترام عالمي واسع، وتلفت إلى تحول في ذهنية المستهلك الغربي وغير المسلم؛ حيث أصبح مفهوم "الحلال" لديهم مرادفًا لـ "النظافة، وجودة اللحوم، وسلامة المكونات".
هذا التلازم بين "صنع في مكة" أو "صنع في السعودية" وبين معايير الجودة العالية، بات يشكل "قوة ناعمة" وجواز سفر يسهل قبول المنتج في مختلف الثقافات، ما يثبت أن الحلال صناعة سعودية قادرة على المنافسة والريادة عالميًا.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات