منوعات

من يملك القرار؟قراءة في خور الإدارة وابتزاز الحاجة

من يملك القرار؟قراءة في خور الإدارة وابتزاز الحاجة

بقلم عبدالمحسن الحارثي

يقول السير أليكس فيرغسون:

«السيطرة الحقيقية ليست في غرفة الملابس، بل في القرارات التي تسبقها».

 

من هذه الزاوية يبدأ السؤال الجوهري: من يملك القرار؟

ففي كرة القدم الحديثة ؛ لم تعد الإدارة فعلًا تنظيميًا، بل علمًا استراتيجيًا تُقاس جودته بقدرته على اتخاذ القرار الصعب في توقيته الصحيح. 

ولم يعد فن الإدارة مقتصرًا على إدارة الأفراد، بل تجاوز ذلك ـ وبأهمية مضاعفة ـ إلى إدارة ملفات التعاقدات ؛ لأنها البوابة التي يُبنى عندها النجاح أو يبدأ منها التراجع بهدوء.

 

حين يُسمح لوكيل لاعب بفرض مدة العقد على نادٍ يفترض أنه صاحب السيادة ؛ فنحن لا نتحدث عن “حسن تفاوض”، بل عن خور إداري لا ينسجم مع منطق التوازن المالي، ولا مع العمر الافتراضي للاعب. 

فاللاعب ـ بمنطق الاقتصاد الرياضي ـ أصلٌ يتناقص لا أصلٌ يتراكم، وأي عقد يتجاوز هذه المعادلة هو التزام طويل الأمد بعائد متناقص.

 

جان بول سارتر يضعنا أمام جوهر المأزق حين يقول:

«حين لا تختار ؛ فقد اخترت، لكن على حساب نفسك».

وهكذا تفعل الإدارة حين تخضع لابتزاز الحاجة؛ فهي لا تتخذ قرارها، بل تسمح للظرف أن يتخذه عنها. والحاجة إذا قادت القرار أفسدته، وإذا قُيّدت بالعقل أنقذته.

 

الأندية الكبرى ؛ لا تُدار بمنطق إرضاء اللحظة، بل بمنطق حماية الكيان. 

لذلك يجب أن يكون سقف النادي أعلى من أي سقف: أعلى من ضغط الجمهور، وأعلى من رغبة المدرب الآنية، وأعلى من إغراء الاسم اللامع. يقول يوهان كرويف:

«الكرة لعبة بسيطة، لكن اللعب ببساطة هو أصعب ما فيها»،

وكذلك الإدارة؛ أبسط قراراتها هي الأصعب ؛ لأنها تتطلب شجاعة الرفض لا لذة القبول.

 

المعضلة الأعمق أن كثيرًا من الأندية تعاني فقرًا في العمق الفكري والتفكير المستقبلي لكل جزئية، لا بسبب شح الموارد، بل لضعف التكامل داخل الإدارة، أو لهيمنة المجاملة السلبية التي تُسكِت الرأي الناقد. 

أرسطو حذّر من هذا المسار بقوله:

«أخطر أشكال الظلم هو أن يبدو الخطأ مقبولًا».

فالخطأ الذي يُدار بالمجاملة ؛ يتكاثر حتى يتحول إلى نهج.

 

كما أن الانخداع ببريق بعض الأسماء، والموافقة على بنود لا تنسجم مع روح وهوية النادي ؛ هو سلوك من لا يملك قراره. 

يقول مارسيلو بيلسا:

«اللاعب العظيم لا يصنع فريقًا، لكن الفريق العظيم يعرف أي لاعب يحتاج».

فالهوية تُحدّد الحاجة، لا الأسماء.

 

وفي التجارب العالمية ؛ نجد أن الأندية الأكثر استقرارًا لم تبنِ نجاحها على الصفقات الأعلى صوتًا، بل على منظومة قرار تعرف متى تتعاقد، ومتى تعتذر، ومتى تنسحب. 

نيتشه لخّص هذا المنهج بقوله:

«من لا يملك لماذا، يسقط عند أول كيف».

فمن لا يعرف سبب تعاقده ؛ سيتعثر مهما أتقن تفاصيله.

 

أما في المشهد السعودي، فالإمكانات متاحة، لكن الإبداع الإداري الخفي ما زال مفقودًا؛ لأن بعض القرارات تُبنى على السطحية لا العمق، وعلى الحل السريع لا المشروع المتكامل. 

الإبداع الحقيقي لا يظهر في صفقة مدوية، بل في عقد متوازن، وفي انسحاب ذكي، وفي قرار لا يُصفّق له اليوم، لكنه يحمي الكيان غدًا.

 

ويختصر بيب غوارديولا جوهر الفكرة بقوله:

«نحن لا نبحث عن الفوز فقط، بل عن الطريقة التي تضمن لنا الفوز لاحقًا».

 

فالنادي الذي يدير تعاقداته بعقل المباراة الواحدة؛ سيظل أسير النتائج المؤقتة،

أما الذي يديرها بعقل الدولة ؛ فسيصنع إنجازًا لا يحتاج إلى تبرير!!