الثقافية

مات غازي ونوره حي

مات غازي ونوره حي

✍🏼الكاتب: محمدالسفياني

القادة في جميع القطاعات، يعملون الكثير، ويبذلون من الجهد أقصاه وزيادة، ليصلون إلى أهداف القطاع، وخلق إضافة وترك أثر، والنتيجة هي أحد أهم مقاييس نجاحهم في تحقيق تلك الأهداف، سواءً لدى المُقيّم، أو في وجهة نظر أفراد المجتمع، وكما يقال "إرضاء الناس غاية لا تدرك"، وبحسب طبيعة عمل القطاع، ومدى تحدياته، يزداد الاستياء أو يقل، والتوقيت له دور مهم، فكلما عدنا للخلف، كلما تذكرنا أن الإمكانيات التي تسرِّع أداء المهام، وتضبط القياس للتطوير، وغيرها من أدوات التحسين المستمر، لم تكن كما اليوم. وشخصية عملت في وزارة الصناعة والكهرباء، ووزارة الصحة، ووزارة العمل، ويغادر دنيانا منذ أغسطس 2010م، ومازال يُكتب عنه حتى من الذين لم يروه وعرفوه من سيرته وأثره، ومازال يُثنى عليه بالحكمة والفضيلة، ويتم تداول بعض مقولاته في برامج التواصل الحديث، وإحدى مؤلفاته في الإدارة يعتبر كمرجع في هذا العلم ومنهج للتدريس، ويستشهد ببعض قصائده نثراً أو لحناً، ولا أجد إستشهاداً لهذا، إلّا ماوُصِف به ابن يعقوب عليهما السلام في الآية الكريمة: (حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلّامَلكٌ كريم). هو معالي الدكتور/ غازي القصيبي، الإنسان والمعلم والأديب، والمفكر والسفير والوزير. في الوزارة كان يكافئ ويعاقب، ويخطط ويطور، وكان حين يعود إلى مكتبة منزله ويخلع رداء الوزير، يسطر لنا بقلمه من تجاربه وخبرته، وشعوره وأشعاره، ما يذود به عن الوطن، أو يحيي شغفاً منطفئ، أو يضيئ بطريقنا فكراً، أو يرينا من البيان سحراً، ثم يرتدي لباس الإنسان البسيط ليكون صديق المرضى، والأب للأطفال المعاقين. سطر له التاريخ عدة أعمال، وأقوال ومنها: في التأليف: "حياة بلا إدارة"، وفي الأدب: "أجل نحن الحجاز ونحن نجد، هنا مجدُُ لنا وهناك مجد، ونحن جزيرة العرب افتداها، ويفديها غضارفة وأُسدُ، ونحن شمالنا كِبرٌ أشم، ونحن جنوبنا كِبرٌ أشد..." . وفي المقولات: "نحن لسنا حضارة هامشية، ولا حضارة فرعية، نحن أمة ظلت لأكثر من 800 عام تقود العالم في كل شئ، في الفكر والعلم والتقنية، ولدينا القدرة على أن نعود كما كنا". و"التخصص الوحيد الذي لا يُدرس في الجامعات هو الأخلاق، فقد يحمله عامل نظافة، ويفتقده دكتور". و "معرفة القرار الصحيح، والقدرة على اتخاذه، والقدر ة على تنفيذه، هي عناصر اتخاذ القرار الصحيح". و"لو حسبتُ حساب ردود فعل الناس لصممت أذني، وقيدت يدي، ولم أنطق بحرف واحد، فمن أعجبه شئ فشكراً له، ومن لم يعجبه شئ،أرجو ان يغض النظر عنه، وأن يغفر لي". و"ستدرك في وقت متأخر من الحياة، أن معظم المعارك التي خضتها لم تكن سوى أحداث هامشية، أشغلتك عن حياتك الحقيقية". هو غازي في ساحة العلم والفضيلة والإعمار، سلاحه قلمه، ومعركته هي "معركة بلا راية"، حتى وهو في "عين العاصفة" ، كان يتصدى للسهام والرماح بحروفه وكلماته، ومبدئه "حتى لا تكون فتنة"، وحين يلتقي بمن كان يقف أمامه، كانت حكمته بيت قيس بن الملوح" وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما، يظنان كل الظن ألّا تلاقيا". وعلى الرغم من وفاة والدته وهو لم يكمل عامه الأول، إلّا أنه كان مسالماً، وعلى الرغم من معاناته من العزلة والانطوائية طيلة عدة سنوات، إلّا أنه تخطى جميع التحديات وحولها إلى نقاط قوة، فمن العزلة إلى الدبلوماسية، ومن الإنطوائية إلى الوزارة، مروراً بعدة مناصب تقلدها صعوداً حتى وصل إلى ماوصل إليه، ترك له بصمات تنير ويرتكز عليها، وسطع اسمه كشخصية بارزة وتفخر بها المملكة العربية السعودية، وعُرف عنه أنه كان: مسؤلاً نزيه، وإنساناً رحيم، وتوفي في شهر الرحمة، وفي منتصف عشر الرحمة، نسأل الله الرحيم له المغفرة والرحمة.