مكة المكرمة - ليلى الشيخي
في الجهة الشماليّة من الكعبة المشرفة، يتخذ حِجر إسماعيل موقعه المميز داخل المسجد الحرام، في مساحة تبدو بسيطة في شكلها، لكنها تختزن في عمقها تاريخًا طويلًا من الأحداث والروايات المرتبطة ببناء الكعبة المشرفة وتعاقب العصور على مكة المكرمة.
ويُعد حِجر إسماعيل جزءًا أصيلًا من بناء الكعبة، إذ تشير المصادر التاريخيّة إلى أن القواعد التي رفعها نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام كانت تشمل هذه المساحة ضمّن البناء الأصلي للبيت العتيق، قبل أن تُخرجها قريش من البناء عند إعادة تشييد الكعبة قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، نتيجة قلة النفقة لديهم، فاقتصر البناء على الجزء القائم اليوم من الكعبة.
ومنذ ذلك الحين أصبح الحِجر علامة معمارية مميزة، يحيط به من جهة الشمال جدار نصف دائري بارتفاع يقارب (1.3) متر، وبعرض يقارب (90) سنتيمترًا، بينما يبلغ طول القوس الحجري نحو (21) مترًا تقريبًا، ليشكل فضاءً مفتوحًا ملاصقًا لجدار الكعبة المشرفة.
ويرجع سبب تسميته بـ"حِجر إسماعيل" إلى ما ورد في بعض الروايات التاريخيّة التي تشير إلى أن إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام كانا يقيمان في تلك الناحيّة من البيت الحرام، وقيل إن المكان كان يُتخذ موضعًا لدواب إسماعيل، ولذلك سُمّي بالحِجر؛ أي الموضع المحجور أو المحاط.
ومع تعاقب العصور الإسلاميّة ظل الحِجر جزءًا ثابتًا من المشهد المعماري للكعبة المشرفة، وشهد عددًا من التعديلات في هيئته العمرانيّة ، أبرزها في العصر الأموي عندما أعاد عبدالله بن الزبير رضي الله عنه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليّه السلام، فأدخل الحِجر في البناء، قبل أن يُعاد إخراجه مرة أخرى في عهد الدولة الأمويّة، ليستقر على هيئته الحاليّة التي بقي عليها حتى اليوم.
وتبرز داخل الحِجر مساحة يحرص كثير من الطائفين والزوار على الصلاة فيها، لما ورد في الأحاديث النبوية من أن الصلاة في الحِجر تُعد من الصلاة داخل الكعبة، كونه في الأصل جزءًا من بنائها الأول.
وقد حظي الحِجر عبر العصور بعنايٓة كبيرة ضمّن أعمال صيانة الكعبة المشرفة، إذ أُنشئ جداره نصف الدائري من الرخام الأبيض المصقول، فيما كُسيت أرضيته برخام فاخر يتناسب مع الطابع المعماري للمسجد الحرام، ضمن منظومة عنايٓة مستمرة تهدف إلى الحفاظ على المعالم التاريخيّة المرتبطة بالكعبة المشرفة.
وفي العهد السعودي أولت القيادة الرشيدة -حفظها الله- اهتمامًا بالغًا بالحفاظ على حِجر إسماعيل ضمن منظومة العنآية المتكاملة بالمسجد الحرام، حيث شملت أعمال الصيانة الدوريٓة ترميم الرخام، والعنايٓة بالبنيٓة الانشائيٓة للحاجز الحجري، وضمان تكامل تصميمه مع توسعات المسجد الحرام المتعاقبة.
ويمثل حِجر إسماعيل اليوم أحد أبرز المعالم المرتبطة بالكعبة المشرفة، ليس من الناحية المعماريّة فقط، بل أيضًا من حيث رمزيته التاريخيّة والدينيّة، إذ يظل شاهدًا حيًا على مراحل بناء البيت العتيق، وعلى تعاقب القرون التي حافظت على قدسيّة المكان وهيبته في قلب المسجد الحرام.

(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات