المقالات

الخبرة بين الزمن والتجربة

الخبرة بين الزمن والتجربة

الخبرة في حقيقتها مزيج بين الزمن وتنوّع التجربة، وهي عامل أساسي في بلوغ الإتقان .. غير أن الخبرة الحقيقية ليست مجرد سنوات تمرّ، بل هي خبرة متحركة وفعّالة تصقلها المواقف والتحديات، لا خبرة يكسوها الكسل أو يغلب عليها الركود .!. فكم من سنواتٍ طويلة لم تضف لصاحبها شيئاً، وكم من تجارب قليلة صنعت فهماً عميقاً وحكمة راسخة ..

أن تكون خبيراً ليس بالأمر السهل، فالخبير أو المستشار لا يقف عند حدود معرفة تخصصية ضيقة، بل يمتلك مجموعة من الجدارات التي تضيف له معرفة وخبرة وقدرة على التحليل واتخاذ القرار، إضافة إلى مهارات التواصل ونقل المعرفة للآخرين .. فالخبرة في جوهرها ليست معلومات محفوظة، بل معرفة عملية تتشكل عبر التجربة .!

وفي المقابل، فإن نقص الخبرة لا يعد عيباً أبداً .. فكل خبير كان في يومٍ ما متدرباً، وكل قائد مرّ بمرحلة التعلم الأولى .! اليوم قد تكون في بداية الطريق، وغداً قد تكون في موقع القيادة، وبعد سنوات تصبح أنت صاحب الخبرة الذي يلجأ إليه الآخرون .. فالحياة المهنية سلسلة من المراحل المتدرجة، تبدأ بالتعلم وتنتهي بالعطاء .!

وغالباً ما يقال إن الخبرة لا تقاس بعدد السنين، بل بعدد التجارب التي خاضها الإنسان ... فالسنوات قد تمرّ هادئة بلا تحديات، بينما تصنع التجارب الصعبة فهماً أعمق للواقع، وتمنح صاحبها قدرة أكبر على التعامل مع المواقف المعقدة .. ولهذا فإن الخبرة الحقيقية تُبنى على التجربة والتأمل والتعلم المستمر.

كذلك كون شخصٍ ما خبيراً لا يعني بالضرورة أنه أعلى منك علماً أو شأناً، بل يدل ببساطة على أنه سار في طريقٍ ما قبلك، وخاض تجارب سبقك إليها .. فالفرق بينكما ليس في القيمة، بل في توقيت التجربة .!.

وعندما يقول لك مدرب أو معلم إنه أكثر خبرة منك، فليس المقصود بذلك الانتقاص منك أو تثبيط عزيمتك، بل إن رسالته أبسط من ذلك بكثير.. إنه يقول لك، بعبارة غير مباشرة

( أمامك حفرة … حاول ألا تقع فيها، فقد سبقتك بالوقوع فيها ).

وهنا تكمن قيمة الخبرة الحقيقية؛ فهي لا تقتصر على معرفة الطريق، بل تمتد إلى تحذير الآخرين من عثراتهم، فالخبير الحقيقي ليس من يحتفظ بخبرته لنفسه، بل من يختصر على الآخرين جزءاً من الطريق، وينقل إليهم خلاصة ما تعلمه من نجاحاته وأخفاقاته .!

وفي نهاية المطاف، تظل الخبرة رحلة مستمرة لا محطة نهائية لها .. فمن يتوقف عن التعلم يفقد تدريجياً جوهر خبرته، أما من يظل متعلماً مهما بلغ من المعرفة، فإنه يحافظ على حيوية خبرته ونضجها ..

الخبرة ليست لقباً يحمل، بل مسؤولية تمارس، عن طريق التعلم المستمر، ومشاركة المعرفة، ومساعدة الآخرين على السير بثقة أكبر في دروب الحياة والعمل .!.

✍🏼علي بن عبدالله المالكي