✍🏼 عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الحروب الكبرى مجرد تبادل للصواريخ أو اشتباك بين الجيوش؛ فالحرب، كما قال المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، “استمرار السياسة بوسائل أخرى”.
وحين تشتعل الصراعات في الشرق الأوسط ؛ تتجاوز حدود الميدان العسكري لتطال أعصاب الحياة نفسها: الطاقة والغذاء والمياه.
إن استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بدعم مباشر من إسرائيل يفتح الباب أمام سيناريو يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية ؛ ليقود إلى ما يمكن تسميته “حرب الممرات والموارد”؛ حيث تصبح الجغرافيا الاقتصادية أكثر حساسية من الجغرافيا العسكرية..كما قال الفيلسوف أرسطو: “كل ما يختلّ في الحياة العامة يؤثر في رفاهية الشعب”، وهو ما ينطبق تمامًا على موارد اليوم الحيوية.
فالشرق الأوسط يقف على عقدة بحرية بالغة الحساسية؛ إذ تمر عبره أهم طرق التجارة العالمية..وأي اضطراب في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب أو قناة السويس يعني ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات الغذائية عالميًا.
كما لاحظ الاستراتيجي هنري كيسنجر: “من يسيطر على الممرات ؛ يسيطر على السياسة”.
هذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل هي شرايين الاقتصاد العالمي؛ وصفها بعض خبراء الاستراتيجية بأنها : صمامات الأمان للطاقة والغذاء في القرن الحادي والعشرين، غير أن الخطر الأكبر قد لا يكون في النفط وحده، بل في الماء والغذاء.
وهنا يبرز مفهوم الأمن المائي بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة..كما قال الفيلسوف كونفوشيوس: “إن استُنفدت الموارد ؛ استُنفدت الأمم” .
أي اضطراب في البنية التحتية للطاقة أو في أمن السواحل ؛ ينعكس مباشرة على إنتاج المياه ؛ لأن الطاقة والمياه وجهان لعملة واحدة.
أما الغذاء ؛ فقصته أكثر تعقيدًا..فالشرق الأوسط يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته الغذائية، ما يجعل استقراره مرتبطًا بحركة السفن، وأسعار الطاقة، واستقرار الأسواق الدولية.
ومن هنا يصبح الأمن الغذائي قضية تتجاوز الزراعة إلى السياسة والاستراتيجية..فارتفاع تكاليف النقل أو تعطّل الممرات البحرية يمكن أن يرفع أسعار الغذاء ويضغط على اقتصادات المنطقة، كما لاحظ توماس هابز: “حياة الإنسان في حالة الفوضى تكون قصيرة وبائسة”.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب الطويلة تميل إلى التمدد عبر ما يعرف في العلوم الاستراتيجية بـ الحرب بالوكالة؛ حيث تتعدد الجبهات وتتسع رقعة الاشتباك دون إعلان حرب شاملة.
وفي مثل هذا السياق ؛ تصبح الموانئ، وخطوط الطاقة، ومحطات التحلية، وحتى المزارع، جزءًا من معادلة الأمن القومي..كما قال القائد العسكري سنت-سيليستين: “الحرب ليست ما تراه على الأرض، بل ما تختبئه في خلفية الاستراتيجية”.
إن أخطر ما في الحروب الطويلة ؛ أنها تُحوّل الموارد إلى أدوات ضغط، وتحوّل الجغرافيا إلى لاعب صامت في المعركة.
وحين تصبح الممرات البحرية مهددة، والموارد الحيوية تحت الضغط ؛ فإن المنطقة بأسرها تدخل مرحلة من الهشاشة الاستراتيجية؛ حيث لا يعود الخطر محصورًا في ساحات القتال، بل يمتد إلى موائد الناس وصنابير المياه. كما قال الفيلسوف بلوتارخ: “من يحرس خيرات الأرض ؛ يحرس حياة البشر”.
وفي ختام المقال ؛ نصل إلى الحقيقة البسيطة والثقيلة معًا: الأمن الحقيقي للأمم لا يقف عند الحدود، بل يتدفق في أنابيب الطاقة، ويستقر على موائد الغذاء، ويتدفق من صنابير المياه.
وحين تهتز هذه الثلاثية ؛ تدرك الدول أن معركة الاستقرار الحقيقية لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بصيانة مقومات الحياة نفسها.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات