المقالات

تعدد الجدارات هو الحل!

تعدد الجدارات هو الحل!

 

📝علي بن عبدالله المالكي 

إذا قابلت شخصًا لا يعترف بخطئه، فأول ما يحتاج إليه هو أن يدرك حدود معرفته، وأن ينصت إلى من يصحح له. فالاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من مكانته، بل بداية لاكتساب الخبرة.. أما من يتحدث بثقة الخبير قبل أن يتعلم، فقد يكون ما زال في بداية الطريق، ولم يفقس بعد من بيضة الحياة، وأمامه أعوام من العمل والممارسة..

وتزداد المشكلة حين تمنح الأنظمة شخصًا حقوقه، فيخلط بين تلك الحقوق وبين استحقاق منصب لا تتوافر فيه شروط شغله.. وقد ترى من قدم من بلد آخر، وينعم بما هُيئ له من أنظمة تكفل حقوقه الإنسانية والعمالية، ثم يتصرف وكأن دورًا خُصص لأبناء الوطن أصبح حقًا مكتسبًا له، وهنا يحضر المثل القديم: «إذا أراد الله هلاك النملة أنبت لها جناحين» ! فالحقوق تُحترم، لكن احترامها لا يلغي متطلبات الوظيفة ولا حدود الصلاحية.

قد أتفهم أن تُسند مهمة إلى شخص لا يتقنها مؤقتًا عند نقص الكوادر البشرية، بشرط أن تكون حدود تكليفه واضحة وأن يجد من يسانده ويشرف على عمله، لكن تحويل هذا الاستثناء إلى تعيين دائم قرار يصعب تبريره، خصوصًا في منظمة تحرص على سمعتها وعلامتها التجارية.. فالسؤال هنا لا يتعلق بالشخص وحده، بل بمن اختاره، وعلى أي أساس اتخذ القرار، وكيف قاس أهليته لتحمل المسؤولية؟!

خذ مثالًا على ذلك: موظف إداري يُكلّف بالإشراف على موظف عمليات، وهو لا يعرف كيف تعمل المعدات، ولا كيف يُتحكم بها، ولا ما الذي يترتب على الخطأ في تشغيلها !. قد يمتلك ذلك الموظف مهارات تنظيمية نافعة، لكنه يحتاج إلى فهم العمل الذي يشرف عليه، وإلى معرفة متى يرجع إلى المختصين، ويزداد الخلل إذا كان لا يحمل المؤهل المطلوب أصلًا، ثم يُعدّل الوصف الوظيفي لإضفاء صبغة شكلية على قرار اتُّخذ سلفًا.!.

المعرفة تُكتسب، ونقلها جزء من الخبرة والتمكين، لكن الخبرة في مجال لا تُغني عن التأهيل المطلوب لمجال آخر. ولو صح ذلك، لأصبح صاحب الخبرة الميكانيكية طبيب أسنان أو جرّاح عظام، بحجة أن البراغي والمسامير موجودة في التخصصين! التشابه في بعض الأدوات لا يعني التشابه في المسؤولية أو المعرفة أو معايير الممارسة.!

وفي الفيزياء، يتحقق الاتزان الدوراني عندما تتساوى عزوم القوى في اتجاه عقارب الساعة مع العزوم في الاتجاه المعاكس.. وفي الكيمياء، يمكن لتفاعل اليود مع فيتامين «ج» أن يزيل لونه البني.. ولكل مجال تفسيره وشروطه؛ وكذلك الإدارة، لا يتحقق فيها التوازن بإرضاء الأشخاص أو توزيع المناصب وفق الأهواء، بل بقرار يستند إلى متطلبات العمل، وكفاءة المرشح، والمخاطر التي قد تنشأ عن تكليفه، خاصة ان كانت تتعلق بأرواح وسلامة البشر .!

ولإدارة الأعمال أيضًا مفاهيم لا يكفي ترديد أسمائها بدون فهمها العميق.. فكلمة Sprint في الرياضة تشير إلى العدو السريع، بينما تُستخدم في منهجية «سكرم» للدلالة على فترة عمل محددة تُنجز خلالها قيمة قابلة للتقييم.. وحاضنة الأعمال تختلف في طبيعة دعمها عن مسرّعة الأعمال، كما أن وصف شركة بأنها «صغيرة» من حيث الحجم لا يشرح بالضرورة نموذج نموها إذا كانت شركة ناشئة !. من يريد اتخاذ القرار في هذا القطاع يحتاج إلى فهم ما تعنيه المصطلحات في التطبيق، وما الذي يترتب عليها من مال ووقت ومسؤولية...

ومن هنا تبدأ جدية العمل: دراسة جدوى تُجيب عن حاجة المشروع وإمكان تنفيذه، ثم فحص الموارد والجدارات المطلوبة، وتحليل المخاطر قبل الالتزام بالإنفاق.. بعض المخاطر يمكن الحد منها، وبعضها يمكن قبوله بعد تقدير أثره والاستعداد له.. أما القفز إلى التنفيذ، ثم البحث عن المبررات بعد ظهور الخلل، فهو طريق مكلف لأي منظمة تحترم ذاتها وزبائنها ! 

هذا كله لا يعني أن يبقى الموظف حبيس تخصص واحد. ففي وقت تتغير فيه أدوات العمل وتتقدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتشتد فيه المنافسة على الفرص، تصبح الجدارات المتنوعة مصدر قوة.. فالمختص الذي يفهم أساسيات الإدارة، ويقرأ المؤشرات، ويجيد التواصل، ويتعامل مع التقنية، أقدر على التعاون واتخاذ القرار من مختص لا يرى إلا الجزء الواقع أمامه من العمل .!

لكن تعدد الجدارات يبدأ من أساس مهني متين، لا تمنح دورة قصيرة صاحبها حق ممارسة وظيفة تتطلب تأهيلًا واعتمادًا، ولا يجعل اتساع الاطلاع شخصًا خبيرًا في كل مجال.. التعدد النافع هو أن يعرف الموظف تخصصه جيدًا، ثم يضيف إليه معارف تساعده على فهم الصورة الأوسع، والعمل مع أصحاب التخصصات الأخرى، والتطور حين تتغير متطلبات السوق..

والمنظمة التي تريد الاستفادة من ذلك عليها أن تضع شروطًا واضحة لكل دور، وأن تتحقق من المؤهلات والقدرة العملية قبل التعيين، وأن تفتح مسارات حقيقية للتدريب والتدرج .. فإذا اضطرت إلى تكليف مؤقت، حددت مدته وصلاحياته وطريقة الإشراف عليه، وبهذا تحمي العمل والموظف معًا، بدل أن تضعه في منصب يفوق تأهيله ثم تحاسبه على نتيجة كان يمكن توقعها !

تعدد الجدارات هو الحل لمن يريد أن يوسع فرصه ويزيد أثره، لكنه لا يصلح ذريعة لتجاوز شروط المهن أو منح المناصب بالمجاملة، المستقبل يحتاج إلى موظف يتقن عمله ويتعلم ما حوله، وإلى إدارة تعرف الفرق بين تمكينه وبين تحميله ما لا يملك أدواته ! وفي سوق مزدحم بالمهارات، قد لا تكفي سلعة واحدة لصاحبها؛ لكن كثرة السلع لا تنفع أيضًا إذا غابت عنها الجودة فحتما سوف تفقد قيمتها وجمهورها !.

الوسوم