علي بن عبدالله المالكي 📝
اليوم الوطني هو يوم لا يُقاس بالساعة ولا بالزمن، بل بحجم الحدث وما يحمله من معنى في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه. هو يوم يشكّل في كل عام جسراً بين جيلٍ مضى صنع البدايات، وجيلٍ حاضر يحمل الأمانة ويمضي بها نحو المستقبل؛ خيرُ خلفٍ يحفظ ما أنجزه خيرُ سلف، ويبني فوق ما حققه الآباء والأجداد.
يوم الوطن هو اليوم الذي ذابت فيه أسباب الفرقة، واتحدت فيه القلوب، وتحولت، بفضل الله تعالى ثم بعزيمة مؤسس هذا الكيان العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، إلى وحدة وطنية راسخة جمعت أطراف البلاد تحت راية واحدة، وصنعت من التفرق اجتماعاً، ومن التنازع ولاءً، ومن الشتات وطناً..
هو يوم آثر فيه الأجداد سعة المصلحة العامة على ضيق المصالح الخاصة، وآمنوا بأن الوطن أكبر من القبيلة والعشيرة والعائلة، وأبقى من الخلاف، وأعظم من كل مكسب فردي عابر؛ فالتفوا حول قائدهم، وصنعوا معه دولة أصبحت اليوم حاضرة في قلب العالم، ومؤثرة في اقتصاده وسياساته وتنميته..
إنه يوم بيعة وولاء، وانتماء ووفاء ..
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تأتي هوية «عزنا بطبعنا» لتختصر كثيراً من الحكاية؛ فعزّ السعودي لم يكن يوماً مظهراً طارئاً، ولا شعاراً يُرفع في مناسبة ثم يُطوى بانتهائها، بل هو طبع توارثته الأجيال: في الكرم، والنخوة، والشجاعة، والوفاء، والنجدة، والاعتزاز بالدين والوطن والقيادة، وفي الوقوف مع المحتاج، وإكرام الضيف، واحترام الجار، وصون العهد والميثاق.
عزنا بطبعنا لأن السعودي يحمل وطنه معه أينما ذهب؛ في أخلاقه، وفي عمله، وفي كلمته، وفي الطريقة التي يمثّل بها بلاده أمام الآخرين.
وعزنا بطبعنا لأن هذه الأرض لم تُبنَ بالأمنيات، وإنما بالرجال والنساء الذين آمنوا بها، وعملوا من أجلها، وتحملوا صعوبة البدايات، حتى انتقلت المملكة، خلال عقود، من رحلة التأسيس إلى مرحلة البناء، ثم إلى عصر التنمية والتحول والطموح ..
ومن صحراء شاسعة كانت المسافات فيها تحدياً، إلى مدن حديثة، وشبكات طرق، ومطارات، وموانئ، وقطارات، ومشروعات كبرى؛ ظل الإنسان السعودي هو محور التنمية: يتعلم، ويتطور، ويقود، ويبتكر، ويشارك في صناعة وطن لا يكتفي بما تحقق، بل ينظر دائماً إلى ما هو أبعد !
واليوم، ونحن نرى قطارات تشق المدن، ومشروعات عملاقة ترتفع، وكوادر سعودية تتقدم في ميادين الهندسة والتقنية والطب والصناعة والإدارة والفضاء والرياضة والثقافة، ندرك أن ما زرعه الآباء والأجداد لم يكن مشروع جيل واحد، بل مشروع وطن تتوارث أجياله المسؤولية جيلاً بعد جيل.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لليوم الوطني.
فالوطنية ليست احتفالاً ليوم واحد، ولا علماً يرفرف على نافذة سيارة، ولا عبارة تُكتب في مواقع التواصل ثم تنتهي بانتهاء المناسبة.
الوطنية الحقيقية أن تؤدي عملك بإتقان، وأن تحافظ على ممتلكات وطنك، وأن تحترم النظام، وأن تكون أميناً في مسؤوليتك، وأن تربي أبناءك على الوفاء لهذه الأرض، وأن تعرف أن كل نجاح تحققه في موقعك، صغيراً كان أو كبيراً، هو حجر جديد في بناء المملكة ..
وعندما نستعيد سيرة الملك المؤسس عبدالعزيز ورجاله، فإننا لا نستعيد صفحات من التاريخ لمجرد الحنين إليها، وإنما نستحضر مدرسة كاملة في الصبر، والإرادة، وبعد النظر، وبناء الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية الكبرى.
ومنذ ذلك اليوم، توالت مسيرة البناء جيلاً بعد جيل، وملكاً بعد ملك، حتى وصلت المملكة إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حيث تعيش البلاد مرحلة واسعة من التحول والتنمية، واستثمار الإنسان، وصناعة المستقبل، وتعزيز حضور المملكة وتأثيرها في المشهد الدولي !.
لقد تغيرت المملكة كثيراً، لكن ثوابتها بقيت راسخة. تغير شكل المدن، لكن أصالة أهلها بقيت. وتطورت وسائل الحياة، لكن الكرم لم يتغير. وانفتحت أبواب جديدة للعلم والعمل والثقافة والسياحة والاستثمار، وبقي الاعتزاز بالدين والهوية والوطن راسخاً في النفوس...
فعزنا بطبعنا، وعزنا في إيماننا، وعزنا في وحدتنا، وعزنا في قيادتنا، وعزنا في رجالنا ونسائنا، وعزنا في شبابنا الذين يحملون أحلام وطنهم .! وعزنا في تاريخ لم يكن سهلاً، وحاضر لم يأتِ مصادفة، ومستقبل نريد له أن يكون أعظم ..
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، في الثالث والعشرين من سبتمبر لعام 2026م، لا نحتفل فقط بذكرى إعلان توحيد المملكة العربية السعودية؛ بل نحتفل بقصة إنسان ووطن، وبعهد تتناقله الأجيال:
أن تبقى هذه البلاد شامخة، وأن تظل رايتها عالية، وأن نحفظ للأجداد ما صنعوه، ونضيف إليه ما يليق بأبنائهم وأحفادهم.
وفي هذا اليوم من كل عام، لا نسأل فقط: ماذا قدم لنا الوطن؟
بل يليق بنا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا نحن للوطن؟!
تلك هي الوطنية التي تستحق الاحتفاء، وذلك هو الوفاء الحقيقي لجيل التأسيس، وتلك هي مسؤولية جيل المستقبل ..
وطن بدأ بوحدة، واستمر بعزيمة، ويتقدم بطموح .. المملكة العربية السعودية.. عزنا بطبعنا. ودامت بـــلادي!
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات