علي بن عبدالله المالكي
حين تُسرق جهود الموظفين، وتُحجب المعرفة، وتُصادر الحقوق، وتسود المحاباة؛ تسقط الشعارات، وتنكشف حقيقة بيئة العمل .!
فالظلم الوظيفي لا يقتصر على رأي مجحف أو عقوبة غير مستحقة، بل يمتد إلى كل ممارسة ينتقص بها حق إنسان، أو يُسلب بها جهد موظف، أو تُحجب عنه فرصة، أو يُقصى دون سبب عادل، أو يُنتقص من قامته ومكانته المهنية.
ومن أكثر صور الظلم قسوة أن يعمل الموظف ويجتهد، ثم يأتي من ينسب الإنجاز إلى نفسه؛ أو أن يملك أحدهم المعلومة التي يحتاجها زميله فيحجبها عنه عمدًا، حتى يتعثر أو يبدو أمام الآخرين عاجزًا، أو أن يحتكر شخص المعرفة ليظهر وكأنه الوحيد القادر على أداء العمل .!
إن الاستيلاء على جهود الآخرين ليس ذكاءً مهنيًا، واحتكار المعرفة ليس قوة، وحجب المعلومات ليس وسيلة مشروعة لحماية المكانة الوظيفية، بل هي ممارسات تحمل في جوهرها اعتداءً على الحقوق، حتى وإن غُلّفت بمصطلحات إدارية أو مبررات مهنية .!
والظلم مفهوم واسع، يشمل الاعتداء على حقوق الله وحقوق العباد، وقد بيّن القرآن الكريم عظم خطره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]
وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنّي حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا) رواه مسلم
وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عن علاقات العمل وقراراته، فلا منصب يبيح ظلم موظف، ولا سلطة إدارية تبرر سلب الحقوق، ولا مصلحة مؤقتة تجعل الاعتداء على جهود الآخرين أمرًا مقبولًا !
فمن الظلم أن تبني مكانتك المهنية على جهد سلبته من غيرك، أو إنجاز نسبته إلى نفسك، أو معلومة حجبتها عن مستحقها، أو فرصة عطلتها خشية أن يتقدم عليك أحد .!
ومن الظلم أن تُفتح الأبواب لأشخاص وتُغلق أمام آخرين دون معيار مهني واضح، وأن تُمنح الترقيات أو الفرص أو التقدير بالمحاباة، بينما يُهمّش أصحاب الكفاءة والاستحقاق .!
ومن الظلم أيضًا أن يُحاسب موظف على خطأ لم يرتكبه، أو يُحمّل مسؤولية إخفاق سببه ضعف النظام أو نقص الموارد أو غموض المسؤوليات، فيتحول إلى كبش فداء لحماية آخرين من المساءلة !
وقد ينسى المدير قرارًا ظالمًا اتخذه، وقد يتجاوز المسؤول موقفًا أضر فيه بموظف، وقد ينجح شخص مؤقتًا في الاستحواذ على جهد زميله، لكن حقوق العباد لا تصبح باطلة لأن الزمن مرّ عليها، ولا تسقط بالتقادم، ولا تمحوها المناصب، ولا تجعل المصالح المؤقتة الظلم عدلًا !
والظلم لا يضر الموظف وحده، بل يضرب المؤسسة ذاتها؛ لأنه يقتل الثقة، ويضعف الانتماء، ويشجع على الصمت، ويطرد الكفاءات، ويخلق بيئة يصبح فيها الناس أكثر حرصًا على حماية أنفسهم من بعضهم من حرصهم على تحقيق أهداف العمل، ورؤية المنظمة ..
بالعدالة فقط، تمنح الثقة بأن جهده سيُنسب إليه، وأن فرصته لن تُسلب منه، وأن خطأه سيُقيّم بإنصاف، وأن كرامته لن تصبح رهينة مزاج مسؤول أو نفوذ صاحبه!
والموظف الجديد أو المتدرب لا يحتاج إلى من يختبر قدرته على اكتشاف المعلومات المخفية، بل يحتاج إلى من يرشده، وينقل إليه المعرفة، ويمنحه فرصة عادلة للتعلم والتطور .. فحجب المعرفة عن الآخرين لا يصنع موظفًا قويًا، وإنما يصنع مؤسسة هشة تعتمد على أفراد بدل أن تعتمد على أنظمة وخبرات متشاركة وأهداف موحده !
والمدير العادل لا يكتفي بعدم ممارسة الظلم، بل يمنع وقوعه داخل فريقه، ويستمع إلى الشكاوى بإنصاف، ويتحقق من الوقائع، ويمنح كل ذي حق حقه، ولا يسمح لأصحاب النفوذ أو الأصوات الأعلى أن يستحوذوا على حقوق غيرهم ..
فالعدالة في العمل ليست قيمة تجميلية تكتب في السياسات، بل ممارسة يومية تظهر في القرارات، والتكليفات، والترقيات، والتقييم، والتقدير، والمساءلة ...
وأخطر ما يصيب بيئة العمل ليس وقوع الخطأ، بل أن يصبح الظلم ممارسة معتادة، وأن يعرفه الجميع ثم يصمتوا عنه، أو أن يتحول صاحب الحق إلى متهم لأنه طالب بحقه ..
تبقى آثار القرارات في نفوس الناس زمنًا طويلًا، وقد ينسى الظالم موقفًا عابرًا، لكن المظلوم قد يحمله سنوات.
لذلك فإن من أعظم مسؤوليات القيادة أن تضمن ألا يُسلب جهد، ولا يُهدر حق، ولا تُحجب معرفة بقصد الإضرار، ولا يُقصى مستحق، ولا تُمس كرامة إنسان، فالعدل أساس استقامة العمل، والظلم بداية انهياره، وكل بيئة عمل لا تحفظ الحقوق، مهما ازدانت بالشعارات، تحمل في داخلها بذور ضعفها وانهيارها .!.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات