المقالات

رتوش ولكن: 

رتوش ولكن: 

 

علي بن عبدالله المالكي 

لكل كاتب بصمة، ولكل متلقٍ ذائقة .. فإذا لم يجد القارئ في النص ذلك النفس الذي اعتاده، وتلك الروح التي تميّز صاحبها، فقد يشعر بأنه أمام كاتب آخر، وربما يذهب بلا رجعة.!

الذكاء الاصطناعي هو رتوش القلم الذهبي، يساعد الكاتب على تهذيب عباراته، وترتيب أفكاره، وتجميل نصه، لكنه لا ينبغي أن يمحو بصمته أو يستبدل صوته بصوت آخر .! فالرتوش الجميلة تزيد النص أناقة، لكنها إذا طغت عليه أفقدته ملامحه الأصلية .!.

قديماً، وقبل وجود الثلاجات ووسائل التبريد، كان الإنسان يكثر من استخدام الملح لحفظ اللحوم وإطالة مدة صلاحيتها، فكان الملح يؤخر فسادها، لكنه لا يعيد إليها رائحتها الزكية، ولا يجعلها كما كانت في يومها الأول ! وهكذا هي الرتوش، قد تخفي عيباً، أو تؤجل ظهوره، لكنها لا تصنع جوهراً جديداً ..

والإفراط في الرتوش قد يكون أخطر من العيب نفسه، لأن المبالغة في التجميل قد تلفت الانتباه إلى ما نحاول إخفاءه .! فلا تدقق كثيراً في رتوش من أمامك، فربما كان هو الآخر ينظر إلى ما تحت رتوشك !! وعندها قد تظهر عيوب لا تستطيع أفضل أدوات التجميل إخفاءها .!.

ولذلك، لا تجعلنا الرتوش أسرى للمظهر، ولا تدفعنا إلى البحث عما وراء الناس بدافع الفضول أو الحكم .. لا تدقق في بواطن الأمور، ولا تحاول أن تدخل في نيات البشر، فالقلوب صناديق مغلقة، وسريرتها لا يعلمها إلا الله وحده !

جمّل قلمك، لكن لا تغيّر بصمتك .. فالرتوش قد تجذب العين، أما الأثر فهو الذي يبقى .!