المقالات

حين تُمسُّ السيادة ... ينتهي زمن الصبر

حين تُمسُّ السيادة ... ينتهي زمن الصبر

 

✍🏽علي بن عبدالله المالكي

ليست كل المعارك تُخاض من أجل الأرض وحدها، فهناك معارك تُفرض دفاعًا عن السيادة، وصونًا للمصالح العليا للدول، وحمايةً للاقتصاد والمكتسبات الوطنية، وعندما تمتد يد ميليشيا انقلابية خارجة عن القانون، تتبنى مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، لتستهدف السفن التجارية وتهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فإن الأمر لا يعود شأناً أقليمياً فحسب! بل يتحول إلى قضية تمس الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي الدولي.

لقد أدت القرصنة على السفن التجارية في المياه الدولية إلى زعزعة الثقة في حرية الملاحة، ورفعت تكاليف الشحن والتأمين، وانعكست آثارها على أسعار السلع وسلاسل الإمداد العالمية، فجّرمها العالم، ولم تعد هذه الأفعال مجرد أعمال عدائية، بل أصبحت نموذجًا واضحًا للإرهاب البحري الذي يستوجب موقفًا حازمًا من المجتمع الدولي، لأن تركه دون ردع يمنح الفوضى مساحة أكبر للتمدد، لتعم بحار العالم وخلجانه ! 

إن أي سفينة ترفع علم المملكة العربية السعودية تمثل سيادة الدولة وهيبتها، والاعتداء عليها يُعد اعتداءً على المملكة نفسها .. ومن هذا المنطلق، فإن حماية المصالح الوطنية وخطوط الإمداد ليست خيارًا، بل واجب تفرضه مسؤولية الدولة تجاه أمنها وأمن المنطقة .. فالرسائل الرادعة لا تُبعث رغبةً في التصعيد، وإنما لتأكيد أن أمن المملكة ومصالحها خطوط حمراء لا تقبل المساومة أو الاختبار...!

وفي الجانب الآخر من المشهد، يواصل الشعب اليمني دفع ثمن الانقلاب الذي صادر مؤسسات الدولة، وأدخل البلاد في دوامة من الصراع والمعاناة .. لقد تحولت معاناة اليمنيين إلى ورقة تُستغل لإطالة أمد الأزمة، بينما ظلت القرارات الدولية المتعلقة بإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة تواجه التعطيل، الأمر الذي أتاح لهذه الجماعة التمادي في ممارساتها العسكرية والأمنية، على حساب مستقبل اليمن واستقراره ..

ومع استمرار هذا الواقع، تتصاعد أصوات اليمنيين الرافضين لاستمرار الانقلاب، وتتزايد رغبة القبائل والقوى الوطنية في استعادة الدولة وإنهاء مرحلة أنهكت الإنسان والأرض، وأوقفت عجلة التنمية، وأغرقت البلاد في أزمات متلاحقة .. فالشعوب لا يمكن أن تعيش إلى الأبد رهينة للسلاح أو أسيرة للمشروعات الأيديولوجية التي تتغذى على الفوضى والكهنوتية ..

ومنذ اندلاع الأزمة، لم يكن موقف المملكة العربية السعودية قائمًا على ردود الفعل، بل ارتكز على دعم استقرار اليمن، ومساندة شعبه، والوقوف إلى جانب مؤسساته الشرعية، مع تقديم جهود إنسانية وتنموية واسعة هدفت إلى تخفيف معاناة المدنيين، إيمانًا بأن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المملكة ..!

ان حرص المملكة على السلام بين الأطراف اليمنية، لا يعني القبول بالاعتداء أو التغاضي عن تهديد السيادة والمصالح الوطنية .. فالمملكة، التي جعلت من الحكمة أساسًا لسياستها، تمتلك في الوقت ذاته القدرة والإرادة لحماية أمنها بكل الوسائل المشروعة، ولن تسمح لأي تنظيم إرهابي أو ميليشيا مسلحة بفرض معادلات جديدة أو تهديد طرق التجارة الدولية أو استهداف مصالحها .!

إن الرسائل العسكرية المحدودة، عندما تُوجَّه، لا تكون غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لفرض الردع ومنع اتساع دائرة الخطر .. لكنها تحمل في طياتها رسالة واضحة لكل من يراهن على الصبر السعودي بانه سيستمر للأبد: أن ضبط النفس سياسة، لكنه ليس عجزًا، وأن الحكمة لا تلغي الحزم، وأن القدرة على الاحتواء لا تعني التهاون .!.

يجب ان تُصان الممرات البحرية من كل أشكال الإرهاب والابتزاز، وعلى هذه الميليشيات ان تدرك ان مواصلتها على نهجها في تهديد الأمن الإقليمي والدولي، سوف يترتب على ذلك نتيجة مباشرة ووخيمة اقليمياً ودولياً لإصرارها على التصعيد، لا لرغبة الآخرين في المواجهة !

فالمملكة العربية السعودية دولة سلام، لكنها، في الوقت ذاته، تعرف كيف تحمي رايتها، وتصون مصالحها، وتردع كل من يحاول المساس بأمنها أو أمن المنطقة .!.