تقارير صحفية

أبها.. عودة إلى الذاكرة

أبها وعسير.. سحر المطر وجمال الفصول وطيب الإنسان

أبها وعسير.. سحر المطر وجمال الفصول وطيب الإنسان

بقلم: محمد بن متعب بن ثنيان بن محمد آل سعود

باحث في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن الوطني

بعد غياب سنوات، سعدت بزيارة أبها من جديد. ومن نافذة الطائرة بدأت عسير تكشف ملامحها بهدوء: جبال شامخة، وأودية ممتدة، وغيوم تطوّق القمم. ومع اقتراب الطائرة من مطار أبها، شعرت أنني لا أصل إلى مدينة فحسب، بل أعود إلى مكان ظل حاضرًا في الذاكرة مهما طال الغياب. وما إن لامست قدماي أرضها حتى استقبلتني نسمات باردة تفوح منها رائحة المطر، فعرفت أن بعض المدن تُرى بالعين، أما أبها فتُعاش بكل الحواس.

تتربع أبها على قمم جبال السروات، محتفظة بخصوصية نادرة تجمع اعتدال المناخ ونقاء الهواء وتنوع التضاريس. وفيها لا يحتاج الجمال إلى مبالغة؛ يكفي أن يرتفع الطريق قليلًا، أو ينقشع الضباب عن سفح، حتى يظهر مشهد جديد يمنح المكان هيبته وهدوءه معًا.

وللمطر في أبها حضور يتجاوز كونه ظاهرة عابرة. فعندما تتجمع الغيوم فوق القمم وتهطل القطرات، تُغسل الطرقات، وترتوي المدرجات الزراعية، وتستعيد الأشجار نضارتها، وتفوح من الأرض رائحة لا تخطئها الذاكرة. عندها يلتقي صمت الجبل بصوت الماء، ويتحول المشهد إلى لحظة صفاء تختصر جانبًا كبيرًا من روح عسير. ومن هذا الصفاء تبدأ الحكاية الأوسع؛ حكاية مكان لم تصنع الطبيعة جماله فحسب، بل أسهمت في تشكيل حياة أهله وذاكرتهم وهويتهم.

مشهد يتجدد في كل طريق

في الصيف، تصبح أبها ومرتفعات عسير ملاذًا يقصده الزوار من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية ودول الخليج، بحثًا عن الأجواء المعتدلة والمطر والطبيعة. ومن غابات السودة إلى متنزهات دلغان والأمير سلطان بالفرعاء، تتعاقب القمم والغابات والأودية في مشاهد لا تتكرر، بل تقدم وجوهًا متعددة لطبيعة واحدة.

وتختصر معالم أبها هذه التجربة بوضوح؛ ففي ممشى الضباب يطل الزائر على عقبة ضلع وسهول تهامة، وفي حديقة أبو خيال يجد مساحة للهدوء والتأمل، بينما يكشف جبل ذرة، المعروف بالجبل الأخضر، ليل المدينة وهي تتلألأ بين الجبال. ولا تكمن قيمة هذه المواقع في إطلالاتها وحدها، بل في قربها من المدينة وقدرتها على الجمع بين الطبيعة والحياة الحضرية في مشهد متوازن.

أما الحبلة، فتقف على حافة جروف شاهقة تطل على أودية عميقة تمتد نحو تهامة. وبعد هطول الأمطار، تجري المياه في الشعاب، وقد تظهر شلالات موسمية على جوانب الجبال، فتزداد رهبة المكان جمالًا. وتحمل القرية القديمة قصة إنسانية فريدة؛ إذ ارتبط اسمها، وفق الرواية الشائعة، بالحبال التي كان السكان يستخدمونها للوصول إلى مساكنهم في عمق الجرف قبل شق الطرق الحديثة. واليوم يتيح التلفريك للزائر رؤية هذه التضاريس من زاوية تكشف عظمة المكان وصلابة الإنسان الذي عاش فيه.

وهكذا لا تقود الطرق في عسير إلى مشاهد طبيعية فحسب، بل إلى آثار الإنسان في تعامله مع الجبل والمطر والوادي؛ فكل إطلالة تفتح بابًا على قصة، وكل قرية تكشف جانبًا من قدرة أهلها على تحويل صعوبة المكان إلى مصدر للحياة والمعنى. ومن هنا يصبح الانتقال من الطبيعة إلى التراث انتقالًا طبيعيًا؛ لأن ما نراه من عمران وفنون وعادات ليس منفصلًا عن الجبال التي احتضنته، ولا عن المطر الذي منح الأرض أسباب الحياة.

تراث حي لا زينة عابرة

لا تقدّم عسير طبيعتها منفصلةً عن تاريخها؛ فالمكان هنا يحمل ذاكرته في تفاصيله. وفي قرية المفتاحة وشارع الفن، تلتقي الجداريات والمعارض والحرف والمنتجات المحلية، ويتجلى فن «القط العسيري» بألوانه وزخارفه الهندسية بوصفه تعبيرًا أصيلًا عن ذائقة المجتمع، لا مجرد عنصر للزينة.

ويحضر التاريخ في قصر شدا، المعروف بالقصر الأبيض، الذي شُيّد بتوجيه من الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، إذ وجّه الشيخَ عبدالوهاب أبو ملحة، رحمه الله، مديرَ مالية أبها آنذاك، بتولي مهمة تشييد القصر؛ ليبقى شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة. وإلى جانبه قصر أبو ملحة الأثري وقلعة شمسان، وفي طبب تقف قصور آل أبو نقطة المتحمي شاهدة على ما تختزنه المنطقة من تاريخ عريق. كما تحتفظ قرى مثل آل ينفع والمسقي ورُجال التراثية والحبلة القديمة بملامح العمارة الجبلية، من البيوت الحجرية والحصون إلى المباني المتدرجة على السفوح. وهي شواهد تؤكد أن الإنسان العسيري لم يستسلم لصعوبة التضاريس، بل حوّلها إلى عمران وهوية وحياة.

وتؤدي الأسواق الأسبوعية دورًا يتجاوز البيع والشراء؛ فهي ملتقيات اجتماعية وذاكرة متوارثة، وفي مقدمتها سوق الثلاثاء التاريخي في أبها. وفيها تتجاور الحرف اليدوية والعسل والحبوب والسمن والمنتجات الزراعية، وتبقى أسماء الأسواق المرتبطة بأيام انعقادها شاهدةً على نظام اجتماعي واقتصادي قديم ربط قرى السراة بتهامة.

وتظهر خبرة الإنسان بالأرض في المدرجات الزراعية التي تعانق السفوح، وفيما تنتجه المنطقة من حبوب وفواكه وبن ونباتات عطرية وعسل. فالزراعة في عسير ليست موردًا اقتصاديًا فحسب، بل جزءٌ من المشهد الثقافي، ودليلٌ على علاقة متوازنة بين الإنسان والماء والجبل. ومن هنا يتضح أن التراث ليس ماضيًا محفوظًا خلف الأبواب، بل ممارسة حية تتجدد في الفن والسوق والزراعة والعمارة، وتمنح الطبيعة معناها الإنساني.

من السراة إلى تهامة والبحر

وإذا كان التراث قد نشأ من تفاعل الإنسان مع الجبل والمطر، فإن امتداد عسير من القمم إلى الساحل يوضح كيف أسهم تنوع التضاريس في تشكيل تنوع الحياة والثقافة فيها. فالقوة الحقيقية للمنطقة تكمن في أنها لا ترتبط بصورة واحدة ولا بموسم واحد. فإذا كانت أبها والسودة والحبلة مصيفًا يلامس السحاب، فإن محايل عسير وبارق والمجاردة وما حولها تمثل وجهها الشتوي الدافئ؛ إذ تتميز في فصل الشتاء بأجوائها المعتدلة، وتزداد أوديتها وسهولها خضرة بعد المطر، فتغدو وجهات محببة للزيارة في الأشهر الباردة.

وفي قرية رُجال التراثية بمحافظة رجال ألمع، ترتفع القصور الحجرية بنوافذها الخشبية المميزة، وتحفظ الأزقة والمتحف والقرية التراثية ذاكرة أجيال صنعت للمكان طابعًا لا يشبه سواه. وهناك يبدو التراث امتدادًا طبيعيًا للبيئة؛ فالحجر والخشب والتدرج العمراني ليست عناصر معمارية فحسب، بل حلول ابتكرها الإنسان ليتكيف مع الجبل ويحفظ حياته وخصوصيته.

ثم تمتد عسير حتى ساحل البحر الأحمر، حيث القحمة والحريضة وشواطئهما الهادئة، فيكتمل المشهد بزرقة البحر وجمال الغروب. وهنا تتجلى فرادة المنطقة؛ إذ يستطيع الزائر، في رحلة واحدة، أن ينتقل من غابة يمر الضباب بين أشجارها، إلى قرية تراثية في سفح جبل، ثم إلى ساحل دافئ يطل على البحر. إنها جغرافيا تختصر تنوع المملكة، وتمنح السياحة فيها معنى يتجاوز الموسم العابر.

كما تضيف متاحف خميس مشيط ومجموعاتها التراثية بُعدًا ثقافيًا إلى المشهد، بما تعرضه من مقتنيات وأدوات وصور توثق حياة الأجيال الماضية. وتبرز كذلك قصور آل مشيط التاريخية بقرية ذهبان، بما تمثله من قيمة تراثية ومعمارية تحفظ ذاكرة المكان. ولا يقتصر هذا التنوع على الوجهات المعروفة؛ فأحد رفيدة وسراة عبيدة وظهران الجنوب وبيشة وتثليث وغيرها من مدن المنطقة ومحافظاتها تقدم بدورها ملامح حضرية وزراعية وتاريخية مختلفة. وبذلك تبدو عسير لوحة طبيعية وثقافية متكاملة، تتجاور فيها الجبال والغابات والأودية والسهول والساحل، من دون أن يفقد كل جزء شخصيته الخاصة، أو ينفصل عن الحكاية الكبرى التي تجمع الطبيعة بالتراث والإنسان. وهذا التنوع، بما يحمله من فرص وما يفرضه من مسؤوليات، يقود مباشرة إلى السؤال الأهم: كيف يمكن أن تستمر التنمية من دون أن تفقد عسير ملامحها التي صنعت فرادتها؟

الإنسان.. أجمل ما في المكان

وفي قلب هذه الحكاية كلها يقف الإنسان؛ فهو الذي منح الجبل عمرانًا، وحوّل المطر إلى زراعة، وحفظ الذاكرة في الفن والسوق والعمارة. ومهما تعددت معالم عسير وتنوعت مشاهدها، يبقى الإنسان أحد أجمل وجوهها. فأهل المنطقة أهل كرم وأصالة؛ يستقبلون ضيفهم ببشاشة، ويعتزون بموروثهم وتقاليدهم، ويجمعون في حياتهم بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر. وفي مجالسهم يلمس الزائر طيب المعشر وصدق الترحيب، حتى يشعر بأنه بين أهله، فتغدو الرحلة أعمق من مجرد مشاهدة مكان جميل، وتتحول إلى تجربة إنسانية راسخة في الذاكرة.

وهذه الخصال ليست حكرًا على عسير، بل هي من شيم أبناء المملكة العربية السعودية في مدنها وقراها كافة؛ من شمال الوطن إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وفي وسطه. تتنوع البيئات واللهجات والعادات، ويبقى الكرم والنخوة وحسن الضيافة والانتماء إلى وطن واحد قيمًا راسخة تجمع أبناء المملكة تحت رايتها. ومن هذا الإنسان الذي حفظ المكان وصان ذاكرته، تنطلق مسؤولية الحاضر في أن يواصل البناء من دون أن يفقد المكان روحه.

تنمية تصون الهوية

إن الاحتفاء بجمال عسير لا يكتمل من دون إدراك المسؤولية التي يفرضها هذا الجمال. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في جذب الزائر فحسب، بل في بناء تنمية مستدامة تصون الطبيعة، وتحفظ التراث، وترفع جودة الحياة، وتحول المقومات المحلية إلى فرص اقتصادية وثقافية تعود بالنفع على الإنسان والمكان. فالتنمية المنشودة ليست انتقالًا من الماضي إلى المستقبل بقدر ما هي وصلٌ بينهما؛ تستثمر الطبيعة من دون استنزافها، وتقدم التراث من دون تجميده، وتمنح الإنسان دورًا أساسيًا في صناعة الغد.

ومن هنا تبرز الجهود التي يقودها أخي صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة عسير ورئيس هيئة تطويرها، من خلال حضوره الميداني في محافظات المنطقة ومدنها وقراها، ولقائه بالمواطنين واستماعه إلى تطلعاتهم، ومتابعته المشروعات والخدمات على أرض الواقع؛ بما يعزز سرعة الإنجاز، ويربط خطط التنمية باحتياجات الإنسان والمكان.

ويمتد هذا النهج إلى التنسيق مع أصحاب المعالي من الوزراء وكبار المسؤولين لمناقشة متطلبات المنطقة، وتذليل العقبات، وتسريع الإجراءات، وتحويل الخطط إلى منجزات. وهو نهج يدفع مسيرة التنمية، ويحفز الاستثمار، ويعزز مكانة عسير السياحية والتنموية، بمساندة أخي صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سطام بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة عسير. وبهذا التكامل بين الحضور الميداني والتخطيط المؤسسي، تصبح التنمية امتدادًا طبيعيًا لما صنعه أهل المنطقة عبر أجيال، لا مشروعًا منفصلًا عن سياقها.

وتجسد استراتيجية تطوير منطقة عسير، التي أطلقها سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تحت شعار «قمم وشيم»، هذا التوجه؛ إذ تستهدف ترسيخ مكانة عسير بوصفها وجهة سياحية عالمية طوال العام، مرتكزة على ثقافتها الأصيلة وطبيعتها المتنوعة، مع تطوير البنية الأساسية والخدمات، ودعم الاستثمار، وصون الهوية البيئية والعمرانية. وهي معادلة دقيقة: تنمية لا تقتلع ذاكرة المكان، وتراث لا يتحول إلى عائق أمام المستقبل، وطبيعة تبقى مصدرًا للجمال والحياة في آن واحد.

ويأتي هذا الحراك امتدادًا لما تحظى به مناطق المملكة العربية السعودية من دعم ورعاية مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وفي ظل رؤية المملكة 2030 التي يقودها سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله. وهي رؤية أعادت تقديم مزايا المناطق بوصفها أصولًا وطنية للتنمية والاستثمار وجودة الحياة، ومنحت عسير مساحة واسعة لتصون هويتها وتبني مستقبلها. وفي هذا المستقبل، لا تتعارض القمم مع المدن، ولا التراث مع الاستثمار، ولا السياحة مع حماية البيئة؛ بل تتكامل جميعها حول الإنسان بوصفه غاية التنمية ووسيلتها.

عسير في القلب

بعد هذه العودة، أدركت أن أبها ليست مدينة تُزار ثم تُطوى صفحتها، وأن عسير أكبر من أن تختصرها صورة أو رحلة. إنها مكان يبدأ بالدهشة، ثم يتكشف في المطر والجبل، ويستمر في القرى والأسواق والقصور، ويكتمل بكرم الإنسان، ثم يتجه بثقة نحو مستقبل يصون كل ذلك.

غادرت وأنا أحمل صوت المطر، ورائحة الأرض، وبرودة النسيم، ودفء اللقاء، وأحمل يقينًا بأن بعض الأماكن قد نغيب عنها سنوات، لكنها لا تغيب عنا. فقد بقيت عسير في الذاكرة لا بوصفها طبيعة جميلة فحسب، بل بوصفها قصة متصلة: مطرًا أنعش الأرض، وإنسانًا شيد العمران، وتراثًا حفظ الهوية، وتنمية تفتح الطريق إلى المستقبل. تلك هي عسير: مصيف السحاب، ومشتى الدفء، وساحل الجمال، وموطن الأصالة وطيب الإنسان.