جازان -أقلام الخبر
تُمثّل زراعة البن في جبال مرتفعات منطقة جازان موردًا زراعيًا ذا امتداد تاريخي وقيمة اقتصادية متنامية، ارتبط بالمزارع والمدرجات الجبلية وخصوصية البيئة المحلية، فيما يشهد هذا المحصول تحولًا نوعيًا تقوده المعرفة والابتكار؛ لتطوير إنتاجه، واستدامة موارده، ورفع قيمته المضافة، وتوسيع الفرص الاستثمارية المرتبطة به؛ بما يعزز مكانة البن السعودي وحضوره في منظومة التنمية الزراعية والاقتصادية.
وفي مرتفعات محافظات الداير بني مالك، وفيفا، والعيدابي، وهروب، والعارضة، والريث، تنتشر مزارع البن بين المدرجات الجبلية، حيث انتقلت العناية بالمحصول من الخبرات الزراعية المتوارثة إلى منظومة علمية تقودها جامعة جازان، تجمع البحث والابتكار والتطبيق والتدريب؛ لدراسة الموارد الوراثية، واستنباط أصناف جديدة، وتطوير الممارسات الزراعية، ونقل المعرفة إلى المزارعين، وربط نتائج الأبحاث بفرص الاستثمار، في مسار يستهدف صناعة مستقبل أكثر استدامة للبن السعودي.
وتبرز ملامح هذا التحول في تسجيل الجامعة (4) براءات اختراع نباتية لأصناف مبتكرة ومتميزة من البن السعودي، هي: "جازان لايت"، و"جازان بريميوم"، و"جازان موكا"، و"JU2030"؛ لتشكّل هذه الأصناف مخرجات علمية تفتح مجالات أوسع لدراسة الموارد النباتية، وتطوير خصائصها، والاستفادة منها في تنمية المحصول، وتعزيز حضور الابتكار في مستقبل زراعته وإنتاجه.
وفي موازاة تطوير الأصناف، يقود مركز بحوث البيئة والطبيعة بالجامعة دراسات تحليلية متخصصة لعينات البن، شملت دراسة مكوناته الفعالة ومضادات الأكسدة، إلى جانب رصد التنوع الحيوي لأكثر من (70) سلالة محلية وعالمية؛ بهدف بناء قاعدة معرفية تدعم دراسة خصائص السلالات وتنوعها، وتوفر أساسًا علميًا لبرامج البحث والتطوير المرتبطة بزراعة البن واستدامتها.
وتعكس الاستثمارات البحثية حجم الاهتمام العلمي بهذا المحصول؛ إذ تجاوز إجمالي الدعم المالي للبحوث الداعمة لاستدامة زراعة البن في المملكة (6.8) ملايين ريال، وشملت الدراسات طرق الري المقتصدة للمياه، والتسميد، ومسح الموارد الوراثية، وانتخاب أصناف مقاومة للأمراض؛ بما يربط زيادة كفاءة الإنتاج بالمحافظة على الموارد الطبيعية، ويوجه البحث العلمي نحو معالجة التحديات التي تواجه زراعة البن.
وأثمرت هذه الجهود عن نشر (35) بحثًا علميًا محكّمًا، وإعداد (3) كتيبات تخصصية عن البن، إلى جانب تأسيس "مختبر تكنولوجيا البن والقهوة"؛ بما يُعزز البنية البحثية المتخصصة في الجامعة، ويوفر بيئة علمية لدراسة المحصول وخصائصه ومكوناته، وتحويل نتائج الأبحاث والتجارب إلى معرفة يمكن توظيفها في تطوير الإنتاج وخدمة القطاع الزراعي.
وفي هذا السياق، أوضح أستاذ الجينات والأحياء الطبية الجزيئية بجامعة جازان، الأستاذ الدكتور عبدالله الفرساني، أن جهود الجامعة تمتد إلى مسارات علمية متعددة، تبدأ بتحليل عينات حية من الأسواق المحلية، وصولًا إلى رسم خريطة شاملة للدراسات العالمية المتعلقة بالبن العربي؛ بما يوسع قاعدة المعرفة العلمية، ويدعم بناء توجهات بحثية تستند إلى خصائص المحصول ومجالات الاستفادة منه.
وأشار إلى أن الأبحاث تشمل استكشاف العلاقة بين القهوة والصحة المعرفية والوقاية من مرض ألزهايمر، فاتحةً بذلك مجالًا لدراسات تتقاطع فيها علوم النبات والجينات والأحياء الطبية والمجالات الصحية، إلى جانب ما تحظى به القهوة السعودية من دعم يهيئ فرصًا لتوسيع مجالات البحث والابتكار، وتعزيز قيمتها الاقتصادية.
من جانبه، بيّن مدير مركز بحوث البيئة والطبيعة المكلّف، رئيس قسم الأحياء بجامعة جازان، الدكتور عبادي بن محمد مشلوي، أن هذه المخرجات تأتي ضمن منظومة بحثية تستهدف بناء معرفة متخصصة بالبن، وتمكين الباحثين والمهتمين من تطوير الدراسات والتجارب، وربط نتائجها بالتطبيقات العملية التي تخدم المزارعين، وتدعم تطوير القطاع الزراعي.
ولم تُبقِ الجامعة نتائج أبحاثها داخل المختبرات؛ بل نقلت جانبًا من المعرفة العلمية إلى المزارعين عبر تنظيم (10) ورش عمل، و(9) دورات حقلية، تناولت الطرق العلمية الحديثة للزراعة، والتسميد، ومكافحة الآفات، وإنشاء المزارع الاستثمارية؛ بما يتيح للمزارع الاستفادة من نتائج البحث العلمي في تطوير ممارساته، وتحسين جودة الإنتاج، ورفع كفاءة إدارة المزرعة.
ويمنح انتقال المعرفة من المختبر إلى الحقل هذه الجهود بُعدًا تطبيقيًا مهمًا؛ إذ تتكامل الخبرة التي اكتسبها مزارعو البن عبر أجيال مع نتائج الدراسات والأساليب الزراعية الحديثة، خاصة في إدارة المياه والتسميد ومكافحة الآفات؛ بما يحافظ على الخبرات الزراعية المتوارثة، ويوظفها ضمن ممارسات أكثر كفاءة واستدامة تتلاءم مع طبيعة المرتفعات الجبلية في منطقة جازان.
وإلى جانب البحث والتدريب، يمتد العمل إلى المسار الاستثماري؛ إذ عقدت جامعة جازان شراكات إستراتيجية، من أبرزها اتفاقيات التعاون مع الشركة السعودية للقهوة، لتطوير آليات البحث العلمي المشترك، ودعم إنتاج الشتلات، وتحفيز الابتكار الزراعي؛ بما يعزز التكامل بين المعرفة الأكاديمية والقطاع الاستثماري، ويوسع فرص توظيف المخرجات العلمية في تطوير سلسلة القيمة للبن السعودي.
وعززت الجامعة حضورها في هذا المجال بتنظيم "مؤتمر جازان الدولي لأبحاث البن"، الذي ناقش استدامة الإنتاج والحلول الابتكارية للتحديات التي تواجه المزارعين، وجمع الباحثين والمتخصصين والمهتمين؛ لتبادل المعرفة والخبرات، ومناقشة قضايا الإنتاج الزراعي، والأمراض والآفات، والموارد الوراثية، وتقنيات حصاد المياه، وأسواق البن واقتصادياته.
وتتكامل هذه المسارات لتشكّل منظومة تبدأ بدراسة السلالات والموارد الوراثية، وتمر بالبحث والتحليل والابتكار، ثم تنتقل إلى المزارع عبر التدريب والتطبيق، وتمتد إلى الشراكات والاستثمار؛ بما ينقل التعامل مع البن من حدود إنتاج محصول زراعي إلى بناء سلسلة معرفية واقتصادية تسهم في تحسين الإنتاج، ودعم المزارعين، وتوسيع الفرص المرتبطة بالمحصول.
وتكتسب هذه المنظومة أهميتها من ارتباط البن بالبيئة الجبلية والمجتمعات الريفية في منطقة جازان؛ إذ يُسهم تطوير المحصول علميًا وإنتاجيًا في تعظيم الاستفادة من المقومات المحلية، ورفع القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، ودعم المزارعين، وتهيئة فرص استثمارية تمتد عبر سلسلة القيمة، من إنتاج الشتلات وزراعة المزارع إلى التصنيع والتسويق والمنتج النهائي.
وبين إرث زراعي تحفظه مدرجات جبال منطقة جازان، ومعرفة علمية تصنعها مختبرات جامعة جازان، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة للبن السعودي؛ تتجاوز فيها قيمة المحصول حدود الإنتاج، لتصبح موردًا للبحث والابتكار والاستثمار، ومسارًا تنمويًا يعزز مكانة المنطقة، ويفتح أمام مزارعيها فرصًا أوسع، ويدعم حضور البن السعودي في الأسواق المحلية والعالمية.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات