المقالات

توبة صنيتان:

توبة صنيتان:

في زحام الحياة، تمر بنا وجوه لا ننساها، حتى وإن فرّقتنا الطرق، وتباعدت بيننا المسافات .!. بعضهم يظل عالقًا في الذاكرة، لا لشيء إلا لأننا كنّا يومًا جزءًا من حكايتهم، وكانوا جزءًا منا ..

كان لي صديق قديم، لنسمّه (صنيتان)، جمعتنا أيام طويلة من السوالف والمغامرات، حتى خُيّل لمن يرانا أننا توأم سيامي لا ينفصل .. كنا نضحك معا، نخطئ معا، ونصيب معا، وكنّا كتابين مفتوحين لا يخفى أحدنا عن الآخر شيء .!

لكن كما يحدث كثيراً، لا تبقى العلاقات على حالها ! بدأ التباعد يتسلل بهدوء، ثم اتسعت الفجوة شيئًا فشيئًا، الى ان صارت مواقفنا تختلف، وأقوالنا تتباين، حتى أصبح كل منا يرى في الآخر ما لم يكن يراه من قبل .!. أنكرت عليه حدة لسانه، بينما كان يراني ساذجًا لا أفهم (قانون هذا الزمن)، كما كان يصفه .!

قال لي يوماً: العالم اليوم لا يريد إلا الصوت العالي، والجرأة، ومن لا يواكب الزمن سيتجاوزه الزمن ! كلامه لم يقنعني، بل زادني قناعة بأننا نسير في طريقين مختلفين، فاخترت الابتعاد .. بهدوء، بلا خصام صاخب، فقط انسلاخ صامت .!.

ثم انقضت تلك السنون، دارت عجلة الحياة، واشتعل الرأس شيبًا .. نسيته كما تنسى تفاصيل كثيرة في زحمة العمر .. حتى جاء يوم رأيته فيه مجددًا، ولكن بشكل لم أتوقعه .!

ظهر صنيتان في إعلان تجاري ...!

في البداية شعرت بفرحٍ خفيف، فرح اللقاء بعد الغياب، لكن سرعان ما تبدد حين أدركت أنه يعلن عن شيء لا يمت للحقيقة بصلة، وهو في مجال أعرفه جيدًا، كان يبالغ، يضلل، ويقدّم صورة لا تعكس الواقع بتاتاً .!.

تبادلت الحديث مع أحد الجالسين بجانبي في المقهى، فاستغرب من انتقادي، وقال: هذا مشهور! يكسب مبالغ كبيرة من الإعلانات .. أجبته بهدوء: وهل الشهرة تبرر الكذب ؟!

كانت تلك اللحظة كافية لتوقظ في داخلي شيئًا قديمًا .. ذكرى صديق، وقلق على إنسان ربما ابتعد كثيرًا .!

بحثت عنه حتى وصلت إليه، وحين وجدته، لجأت إلى حيلة بسيطة: أخبرته أن لدي إعلاناً وأريده تحديدًا، حضر في الموعد، وما إن فتح الباب حتى كانت المفاجأة ..! وقف أمامي .. لثوانٍ صامتة، ثم عانقني بحرارة لم تتغير رغم مرور الزمن .!

جلسنا، وتحدثنا طويلًا، عادت بنا الذاكرة إلى ثلاثين عامًا مضت، بين ضحكات وحنين ومواقف لا تُنسى .. ثم واجهته بما رأيت ..

لم يُنكر !

بل قالها بصراحة موجعة

(بنيت شهرتي بتعبي .. وثروتي بكذبي !).

كانت لحظة صدق نادرة، وربما بداية طريق جديد، ذكّرته بالحلال والحرام، بالمسؤولية، وبأن الكلمة أمانة، خاصة حين يسمعها الآلاف .. قلت له إن الشهرة نعمة، لكنها قد تتحول إلى نقمة إن لم تُستخدم في الخير .!.

تحدثنا عن أثر الإعلانات المضللة، عن شباب ينجرفون خلف صورة زائفة، وعن بيوت قد تتأثر بكلمة غير صادقة، لم يكن الحديث وعظًا بقدر ما كان استرجاعًا لما تبقى من ضمير مشترك بين صديقين قديمين ! في نهاية اللقاء، لم أخرج بانتصار، ولم يغادر هو بهزيمة .. لكننا خرجنا بشيء أهم: 

( بذرة تـوبــــــــــة ) ..!

قصة صنيتان ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع نعيشه اليوم، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين، لا بصدق المحتوى، وتطمس الواقعية بالمثالية الزائفة، حيث

تغري الأضواء أصحابها بتجاوز الخطوط الحمراء .!.

لكن يبقى السؤال الأهم ..

هل يمكن أن تعود البوصلة؟

الإجابة .. نعم ..

طالما أن في القلب نبضًا، وفي الضمير صوتًا، فباب التوبة مفتوح، مهما طال الطريق .!

وتبقى الشهرة، في النهاية، مجرد وسيلة ...

إما أن تكون جسرًا إلى الخير،

أو طريقًا إلى الندم ..!.

بقلم/ علي بن عبدالله المالكي