المقالات

المساحات الفارغة في حياتنا 

المساحات الفارغة في حياتنا 

✍🏼سلمان المعيوف

  دعاني أحد الأصدقاء إلى مأدبة غداء في شقته، وما إن وطأت قدماي عتباتها حتى وجدتها تغص بما فيها من أثاث ومقتنيات -على اختلاف أنواعها، وأشكالها، وألوانها- إذ لم يدع مساحة فارغة إلا وملئها، ولم يكن ذلك خاصًا بأسطح الأرضيات، لأن هوسه تجاوزها إلى تعبئة الجدران بالصور الفوتوغرافية، وبلوحات الخطوط والرسومات الفنية، وبملصقات صور التعبير الرمزية (الإيموجي)، ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل واصل زحفه إلى السقف!

 

كان صاحبي مُولعًا بالمقتنيات التراثية والعصرية في الوقت ذاته، فخلط من هذا ومن ذاك. والحق أن أغلب مقتنياته حسنة ورائعة إذا ما نظرنا إليها بمفردها، إلا أن ما فعله من حشدها بأجمعها في مكان واحد أفسدها وأذهب حُسنها.

 

        أتذكر أنه سألني بفخر واعتزاز عن رأيي فيما تراه عيناي، فأجبته مداعبًا: ما شاء الله عليك لم تترك مساحة خالية من الأثاث حتى السقف!

 

      في الواقع لم أكن مُعجبًا بشقته ولا بتنظيمها، رغم أنه أنفق عليها مالًا كثيرًا، وبذل من أجلها جهدًا مضنيًا ووقتًا مديدًا، ولكن ما فائدة كل ذلك وقد أفضى إلى عكس ما كان يأمله ويتمناه.

 

 لقد غفل صاحبي عن أمر في غاية الأهمية، وهو أن الأشياء يبرز حُسنها إذا لم يُزاحمها أشياء أخرى، خاصةً إذا كانت أفضل منها أو في مستواها، فكيف إذا حُشد حولها أو بجانبها أشياء كثيرة ومتعددة وجُلها من هذا القبيل. أضف إلى ذلك، أنه تجاهل صورتها وفق ما تُشكله من منظر عام، واكتفى بالنظر إليها بمفردها بنظرة مجزأة ثم أُعجب بها أيما إعجاب، وفاته أنها لن تكون كذلك إذا ما نظر إليها بنظرة شمولية عامة.     

 

إن الكثرة والتعدد ليس أمرًا ممدوحًا في كل الأحوال، فحتى لو تمكنا من الجمع أو الاختيار بين عدة بدائل وخيارات، فهذا لا يعني أن من الصواب اختيارها بأجمعها ولا حتى اختيار أغلبها، وإنما ينبغي الاكتفاء بمقدار الحاجة فقط، فكما أن هناك ضرورة لاقتناء بعض الأشياء التي نحتاجها فإن هناك ضرورة لترك مساحات فارغة أيضًا.

 

    أكاد أجزم أن ما ذكرته آنفًا هو قاعدة كلية عامة لكل نواحي الحياة، ففي مجال التصميم الجرافيكي مثلًا نجد أن المصممين يحرصون على ترك ما يُسمونه بالمساحة البيضاء أو الحرة أو السلبية، وكل ذلك يُشير إلى ضرورة ترك مساحة فارغة في التصميم من أجل إبراز جمالياته، كما يُشددون على عدم المبالغة في استخدام الألوان أو الأشكال، بل يعتبرون الإكثار منها خطيئة لا تُغتفر، ولك أن تتخيل حال تصميم اُستخدم فيه جميع الألوان والأشكال والخطوط ولم تُترك فيه مساحات فارغة!

 

لعلي لا أبالغ لو قلت إن الاكتفاء بالنظرة الجزئية وتجاهل النظرة الكلية كثيرًا ما يُعطل الإنسان ويجعله يشترط أمورًا غير واقعية تُصعب عليه حياته وتعقدها أكثر، لأنه قد يشترط أن تكون كل جزئية من جزئياتها في منتهى التمام والكمال، وهذا لن يكون ممكنًا في كل الأحوال.

 

 وكمثال على كلامي نجد أن بعض الشباب يرسم في مخيلته صورة لفتاة أحلامه، فيضع مواصفات دقيقة لكل أعضاء جسدها، ثم يضع مواصفات أدق لكل عضو منها على حده -كالأنف مثلًا- ويُبالغ أيضًا حتى في بيان تفاصيل تفاصيله! وكل ذلك في اعتقادي غير واقعي، وهو نتيجة الانغماس في الأوهام والخيالات. وهنا أتساءل: ألا يكفي أمثال هؤلاء أن يركزوا على النظرة العامة دون الإفراط في التفاصيل والجزئيات الشكلية؟!

 

      للأسف الشديد أصبح الكثير منا يغفل عن النظر إلى الحياة بنظرة شمولية بسبب المبالغة في التركيز على النواحي الجزئية، فنجد بعضهم مثلًا يُركز على تحقيق المنجزات الجزئية، ويلاحقها الواحدة تلو الأخرى وهو يلهث ليجمع أكبر قدر يمكنه منها، ويغفل عن إمكانية تأثيرها السلبي على حياته بالكامل؛ مما يجعله يخسر حياته ويُصيرها جحيمًا من حيث يحسب أنه يُعمرها ويحقق ذاته.

 

أعتقد أن حياتنا المعاصرة أصبحت ممتلئة وصاخبة أكثر من اللازم، وهي في مسيس الحاجة للمزيد من المساحات الفارغة، فكما نخطط لكيفية ملئ حياتنا بالمهـام والإنجـازات، لابد لنا أن نخطط لترك المساحات الفارغـة، بل ينبغي علينا أن نساعد من حولنا ممن يعنينا أمرهم على القيام بفعل ذلك أيضًا، وخاصةً الذين نُؤثر فيهم ونتأثر بهم (كالوالدين مع أبنائهم، والأزواج مع بعضهم بعضًا... إلخ)، إذ علينا أن نترفق ببعضنا بعضًا ونترك للآخرين مساحات حرة (فارغة) بحيث نُخليها ولا نملأها حتى من أنفسنا.

 

وعليهم في المقابل أن يقوموا بمعاونتنا على الشيء ذاته، فكل ذلك سيحد كثيرًا مما نعانيه جميعًا من ضغوطات كبيرة بسبب طبيعة الحياة المعاصرة (المتسارعة والممتلئة)، وسيجعل منها حياةً أبسط وأجمل إذا ما نظرنا إليها بنظرة شمولية عامة.