المقالات

الفرح لا يعتذر .. والحزن لا يُصادر الحياة

الفرح لا يعتذر .. والحزن لا يُصادر الحياة

 

✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

في آية واحدة اختصر القرآن فلسفة الحياة؛ فالإنسان يعيش بين ضحكةٍ ودمعة، وبين فرحٍ وترح، ولا يستقيم العمر بأحدهما دون الآخر.

ليست المشكلة أن يجتمع الفرح والحزن في زمنٍ واحد، فذلك من سنن الحياة، وإنما المشكلة أن نعجز عن تحقيق العدل بينهما.

كان المجتمع قديمًا مجتمعًا صغيرًا، والقرية بيتًا واحدًا، فإذا نزل الموت في بيتٍ خيّمت مشاعر الحزن على الجميع، وتأجلت الأفراح شهورًا وربما عامًا. وكان ذلك عرفًا اجتماعيًا يناسب زمانه، حين كانت المناسبات محدودة، والناس أكثر قربًا، والحياة أقل تعقيدًا.

أما اليوم فقد تغيّرت الجغرافيا، واتسعت المدن، وتشابكت العلاقات، وكثرت المناسبات، وأصبح اجتماع الفرح والترح أمرًا طبيعيًا، بل قد يحدث في الأسرة الواحدة.

وهنا يجب أن نفرق بين القيم والوسائل؛ فالمواساة قيمة ثابتة، أما طريقة التعبير عنها فهي وسيلة تتغير بتغير الزمان.

فالفرح موعدٌ معلوم، يُرتب له منذ أشهر، أما الترح فقدرٌ مجهول لا يعلمه إلا الله.

وليس من الحكمة أن يتحول المجهول إلى وصيٍّ على المعلوم.

فإذا وقعت وفاة قبل الزواج بأيام، فليس من العدل أن تتحول فرحة عروسين إلى حزنٍ دائم، ولا أن تُحمّل عشرات الأسر تبعات قدرٍ لم تصنعه، خصوصًا في مناسبات الزواج الجماعي التي قد تجمع عشرات العرسان والعرائس.

إن الميثاق الاجتماعي الذي نحتاجه بسيط وواضح:

تُقام الأفراح بكل طقوسها، وتُقام الأتراح بكل هيبتها، ويُغلق باب النقد واللوم على الجميع.

فمن حق أهل الميت أن يحزنوا، ومن حق العريس والعروس أن يفرحا. وللمجتمع أن يواسي أهل المصاب، وأن يشارك أهل الفرح، دون أن يرى في ذلك تناقضًا؛ لأن المواساة واجب، والتهنئة واجب، ولا تعارض بين واجبين مشروعين.

ومن المفارقات أن بعض العقول ما زالت ترى إقامة الفرح بعد الوفاة عيبًا، مع أن الفرح في ذاته ليس إساءة، وإنما الإساءة تكون في غياب الذوق ومراعاة المشاعر. فالقضية ليست في وجود الفرح، بل في طريقة ممارسته.

وقد قال رسول الله ﷺ: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»، وهي قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس؛ فالمجتمع لا يبنى بالمشقة، ولا تحفظ قيمه بإلغاء حياة أفراده.

وقال ابن خلدون إن أحوال الناس وعوائدهم لا تبقى على حال واحدة؛ لأن المجتمعات تتغير، وما يصلح لزمان قد يحتاج إلى مراجعة في زمان آخر، مع بقاء القيم والمقاصد.

إن الميثاق الحقيقي هو: لك وعليك؛ فإن كنت اليوم صاحب فرح، فقد تكون غدًا صاحب عزاء، وإن كنت اليوم في عزاء، فقد تكون بعد حين صاحب فرح. فلا تجعل ما لا ترضاه على نفسك قاعدةً تحاكم بها غيرك.

إن المجتمع لا يُختبر حين يفرح الناس أو يحزنون، وإنما حين يجتمع الفرح والحزن في وقتٍ واحد. هناك تظهر حكمته، ويُقاس وعيه.

فإذا كان الله هو الذي أضحك وأبكى، فليس من حق الإنسان أن يجعل أحد القدرين عقوبةً على الآخر.

دعوا الفرح يفرح، ودعوا الحزن يحزن؛ فالفرح لا يسيء إلى الميت، والحزن لا ينبغي أن يعاقب الحي.

فالمجتمع الراقي ليس الذي يختار بين الفرح والترح، بل الذي يعرف كيف يتسع لهما معًا.