✍🏼علي بن عبدالله المالكي
لم يعد الاتجار بالبشر مجرد جريمة تقليدية، بل أصبح صناعة إجرامية عابرة للحدود، تدر أرباحًا طائلة على شبكات منظمة لا تعرف الرحمة، تتاجر بأغلى ما يملكه الإنسان: طفولته وكرامته ومستقبله.
فالطفل الذي يقف عند إشارة مرور أو على رصيف شارع، وقد مدّ يده طلبًا للعون، ليس دائمًا ضحية الفقر كما نظن، بل قد يكون الحلقة الأخيرة في سلسلة إجرامية بدأت بخطفه، وانتهت باستغلاله لتحقيق الأرباح.
يروي أحد المحامين، نقلًا عن أحد رجال مكافحة الجريمة المنظمة في إحدى الدول العربية، تفاصيل صادمة عاشها أثناء قيادته تحقيقًا للبحث عن عدد من الأطفال المفقودين.. ويقول إن البلاغات كانت تتزايد، فيما كان الضحايا من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، من الذكور والإناث، دون أن تفرق العصابات بين طفل وحيد أو غيره، أو بين أسرة فقيرة أو ميسورة .
وكانت عمليات الخطف، بحسب روايته، تتم في الأسواق والأماكن العامة بكل جرأة، وفي وضح النهار.. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ بعد الاختطاف.! فالأطفال، وفقًا للمحقق، يُحتجزون داخل غرف ضيقة لأسابيع، قد تمتد إلى شهرين، ويخضعون خلالها لبرنامج تدريب قاسٍ يهدف إلى تحويلهم إلى أدوات احترافية للتسول..
يتعلم الطفل متى يبتسم، ومتى يبكي، وكيف يستدر عطف المارة، ومتى يرفع يده طالبًا المساعدة، بل وحتى كيف يذرف الدموع في الوقت المناسب.!. ويضيف أنه خلال إحدى عمليات المراقبة الميدانية اقترب من طفل كان يتسول، وسأله بهدوء: من وضعك هنا؟ ومن يجبرك على هذا؟ فأجابه الطفل بصوت مرتجف: إذا تحدثت مع أحد سيضربونني... وهم يراقبونني الآن !.
كانت تلك الكلمات كافية ليدرك أن الطفل ليس متسولًا، بل ضحية وأسير لعصابة محترفة. ابتعد المحقق حتى لا يثير شكوك من كانوا يراقبون الطفل، واستمر في تتبع الخيوط حتى وصل إلى أحد أوكار العصابة، إلا أن أفرادها كانوا قد غادروا قبل وصوله بدقائق. ومع ذلك، كانت آثارهم كافية لرسم صورة مرعبة لما يجري خلف الكواليس.
فعلى سبورة داخل المكان كُتبت عبارات يُطلب من الأطفال حفظها وترديدها أمام الناس، مثل: أنا جائع، أمي ماتت، أنا يتيم، لم آكل منذ ثلاثة أيام، كما عُثر على ملاحظات توضح كيفية البكاء دون صراخ، وأساليب استدرار الشفقة، ودفاتر تضم أحرفًا من أسماء الأطفال ونقاط توزيعهم، إضافة إلى تعليمات يومية ورموز وكلمات مشفرة تستخدمها العصابة في إدارة عملياتها.
ولم يتوقف الأمر عند التدريب النفسي، بل عُثر أيضًا على أدوات تعذيب تُستخدم لمعاقبة الأطفال الذين لا يحققون المبالغ المطلوبة. أما من يفشل في أداء الدور المرسوم له، فيُنقل إلى موقع آخر أو يُخضع لتدريب مكثف حتى يصبح أكثر قدرة على استدرار عطف المارة.
ويؤكد المحقق أن هذه العصابات، وبعد انكشاف بعض أساليبها في عدد من الدول، بدأت تنقل ضحاياها إلى دول أخرى، مستغلة الفقر، وضعف الوعي، وعدم معرفة المجتمعات بطرقها الإجرامية، لتواصل تجارتها السوداء بعيدًا عن الأنظار.
تكمن خطورة هذه الجريمة في أنها ترتدي قناع الإنسانية، فتستغل تعاطف الناس ليصبح مصدرًا لتمويل شبكات لا تعرف الرحمة. فالطفل الذي يقف تحت حرارة الشمس أو في برد الشتاء مستجديًا المارة، قد لا يكون محتاجًا إلى المال بقدر ما يكون محتاجًا إلى من ينقذه.
إن تقديم المال لمثل هذه الحالات، رغم حسن النية، قد يطيل عمر هذه الشبكات الإجرامية، لأن العائد لا يصل إلى الطفل، بل إلى من يستعبده ويستغل ضعفه.
لذلك، قد تُخفف قطعة نقود معاناة لحظية، لكنها قد تُطيل عمر شبكة إجرامية كاملة. أما البلاغ للجهات المختصة، فقد يكون بداية تحرير طفل من الاستعباد، وإعادته إلى أسرته وحياته الطبيعية.
فليس كل يدٍ تمتد إليك طلبًا للمال حرة، وقد يكون خلف كل متسول عصابةٌ تُحصي أرباحها، بينما ينتظر طفلٌ من ينقذه .!.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات