المقالات

بثوث “التيك توك”.. بين صناعة الوعي واستنزاف الإنسان

بثوث “التيك توك”.. بين صناعة الوعي واستنزاف الإنسان

 

✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي

لم تعد منصات البث المباشر مجرد مساحةٍ للترفيه العابر، بل تحوّلت إلى عالمٍ كامل يُعاد فيه تشكيل الذوق، وصناعة الرأي، وترتيب سلّم القيم الاجتماعية. 

ومن أكثر هذه المنصات حضورًا وتأثيرًا اليوم منصة TikTok، التي تجاوزت فكرة المقاطع القصيرة إلى “البثوث المباشرة” ؛ حيث يلتقي الآلاف في لحظة واحدة بين مؤثرٍ ومتابع، ومادحٍ وناقد، وصانع محتوى وباحثٍ عن حضور.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

هل أصبحت هذه البثوث وسيلة تواصلٍ حديثة تُثري المجتمع، أم أنها تُعيد تشكيل الإنسان وفق معايير سطحية جديدة؟

الإنصاف يقتضي ألّا ننظر إلى المشهد بعين الرفض المطلق، ولا بعين القبول المطلق..فالتقنية في أصلها أداة محايدة، لكنها تستعير أخلاق مستخدميها. 

وقد أشار مارشال ماكلوهان إلى معنى قريب حين قال:

"الوسيلة تُشكّل الإنسان كما يُشكّلها الإنسان".

ولهذا؛ فكما استطاع البعض أن يجعل من البثوث منابر للمعرفة، وتعليم المهارات، ودعم المبادرات، وبناء الوعي ؛ فقد حوّلها آخرون إلى ساحات استعراضٍ وضجيج، تُقاس فيها القيمة بعدد المشاهدات، لا بعمق الفكرة ولا بأثرها.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد الترفيه السطحي، بل انتقال المجتمع — بهدوء — من “ثقافة الإنجاز” إلى “ثقافة الظهور” ؛ حتى أصبح بعض الشباب يرى أن الشهرة طريقٌ أقصر من الجدارة، وأن لفت الانتباه أهم من صناعة القيمة..وهنا يحضر قول الفيلسوف غي ديبور:

"كل ما كان يُعاش مباشرة ؛ أصبح يُعاش كصورة".

فبعض الناس لم يعد يعيش اللحظة كما هي، بل يعيشها باعتبارها مادةً قابلة للبث والعرض والتفاعل. 

ومع الوقت ؛ تتآكل المسافات بين الحقيقي والمُمثّل، وبين الخصوصية والاستعراض، وبين الاحترام والبحث المحموم عن التصفيق الإلكتروني.

والمؤلم ؛ أنّ بعض البثوث لم تعد تستهلك الوقت فقط، بل أصبحت تُطبّع سلوكيات دخيلة، وتُضعف الذوق العام، وتفتح الباب أمام التفاهة بوصفها “محتوى” ؛ حتى صار النجاح عند البعض يُقاس بكمية “اللايكات”، لا بكمية ما يقدّمه الإنسان من أثرٍ نافع.

وهنا يبرز المعنى القرآني العميق:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

فالكلمة في العالم الرقمي لا تختفي، بل تبقى أثرًا مكتوبًا أو مصوّرًا، وقد تتحول لحظة عبثٍ عابرة إلى سجلٍ طويل من الندم.

كما أن الشهرة العابرة قد تدفع بعض الناس إلى التكلّف والمبالغة واستدعاء الإثارة، بينما يظل الاتزان خُلُقًا أصيلًا أكّد عليه القرآن بقوله تعالى:

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾

ولعل المشكلة الأعمق أن الأجيال الجديدة ؛ بدأت ترى الظهور غاية، لا وسيلة، حتى خُيّل لبعضهم أن النجاح لا يحتاج علمًا ولا صبرًا ولا تجربة، بل مجرد قدرة على جذب الانتباه..وهنا قال مالك بن نبي:

"إذا فقدت الأمة أفكارها ؛ فقدت مستقبلها".

ومع ذلك ؛ يبقى التعميم ظلمًا؛ فهناك من استثمر هذه المنصات بوعيٍ ومسؤولية، ونجح في تحويلها إلى أدوات تعليم وتأثير وإصلاح. 

فالمشكلة ليست في التقنية ذاتها، وإنما في الوعي الذي يقودها..ولهذا قال ألفين توفلر:

"الأمية في القرن الحادي والعشرين ليست في عدم القراءة والكتابة، بل في عدم القدرة على التعلّم والتكيّف".

إن المجتمعات لا تخسر حين تدخل العصر ؛ وإنما تخسر حين تدخل إليه بلا بوصلة أخلاقية وثقافية. 

ولذلك ؛ فإن المطلوب اليوم ليس إعلان الحرب على المنصات، ولا تركها بلا ضوابط، بل بناء وعيٍ رقمي يُعلّم الإنسان كيف يستخدم التقنية دون أن تبتلعه.

ويبقى المعنى النبوي البليغ حاضرًا في هذا المشهد:

«مِن حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه» ؛ 

لأن كثيرًا من الضجيج الرقمي لا يصنع معرفة، ولا يبني إنسانًا، بل يستنزف الوقت والروح والانتباه.

وفي النهاية ؛ ستظل الحقيقة الأوضح أن الإنسان أكبر من الشاشة، وأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بما يتركه المرء من أثرٍ نافع، وفكرٍ راقٍ، واحترامٍ يبقى بعد انطفاء البث.