في بيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لا توجد رفاهية الخطأ الكبير، كل قرار يُتخذ، خاصة في التوظيف أو الترشيح للمناصب، يترك أثرًا مباشرًا وسريعًا على الأداء والاستقرار .! وهنا تحديدًا يظهر خطر ( الترشيح العاطفي ) حين يُبنى القرار على الانطباع الأول بدلا من التقييم الموضوعي ..!
الانطباع الأول مغرٍ، سريع، ومريح، في مقابلة قصيرة قد يبدو المرشح واثقًا، لبقًا، أو قريبًا من أسلوب الإدارة، فيُتخذ القرار دون تعمق ! لكن الحقيقة أن هذا الانطباع لا يكشف إلا القشرة الخارجية، ولا يعكس بالضرورة الكفاءة المهنية أو القدرة على تحمل المسؤولية .. في المؤسسات الكبيرة قد يُمتص أثر الخطأ، أما في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فقد يتحول إلى عبء يومي يعرقل العمل، ويستنزف الموارد، ويؤثر على فريق كامل .!.
الترشيح العاطفي في هذا النوع من المؤسسات له تبعات مضاعفة، تأثير مباشر على الإنتاجية ( الموظف غير المناسب يبطئ العمل بدل أن يدفعه للأمام )، ويربك الفريق ( حين يُمنح المنصب لمن لا يستحقه، تتأثر الروح المعنوية، ويضعف الانضباط، ويقل الالتزام ) ..
تكلفة التصحيح ( كاستبدال الشخص أو إعادة توزيع المهام يكلف وقتًا وجهدًا لا تملكه هذه المؤسسات بسهولة )، ومع ذلك، فإن الوقوع في هذا الخطأ لا يعني النهاية، بل يمكن أن يكون نقطة تحول ..!
الاعتراف بأن الاختيار لم يكن موفقًا هو أول خطوة نحو بناء نظام أقوى وأكثر نضجًا، فالمؤسسات الناجحة ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تتعلم بسرعة وتصحح مسارها قبل أن يتفاقم الخطأ .!.
لتفادي الترشيح العاطفي، تحتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى أدوات بسيطة لكنها فعالة، كتحديد معايير واضحة قبل التوظيف ( ما المهارات المطلوبة؟ وما الخبرات الضرورية؟ ) يجب أن تكون الإجابة مكتوبة، محددة وواضحة .. منها إجراء تقييم متعدد المراحل ( مقابلة واحدة لا تكفي، بل يُفضل إضافة اختبار عملي أو فترة تجربة مدروسة )، إشراك أكثر من طرف في القرار ( تنوع وجهات النظر يقلل من الانحياز الفردي ) ..
الاعتماد على الأدلة لا الانطباعات ( الإنجازات السابقة، التوصيات، والسجل المهني ) أهم من الحضور الشخصي، والمراجعة المستمرة بعد التعيين ( التقييم خلال فترة التجربة ) يجب أن يكون حقيقيًا وصريحًا، لا شكليًا .!.
كما أن على القيادات في هذه المؤسسات أن تدرك أن القرب الشخصي، أو الارتياح النفسي، أو التشابه في الأسلوب، لا يعني بالضرورة الكفاءة، فالمؤسسة لا تحتاج إلى من يشبه القائد، بل إلى من يُكمل الفريق ويضيف إليه .!
في النهاية، الانطباع الأول ليس عدوًا، لكنه ليس حكمًا نهائيًا، هو مجرد إشارة أولية، قد تكون صائبة وقد تكون مضللة .! أما القرار الحقيقي، فيجب أن يُبنى على التحقق، والقياس، والتجربة .. لأن خطأ الترشيح في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا يبقى صغيرًا .!. بل يكبر سريعًا، وقد يتحول إلى تحدٍ يهدد استقرارها إن لم يُعالج في الوقت المناسب .!
خاتمة تجربة:
لو لم أقع يومًا في خطأ الترشيح العاطفي، لما وجدت نفسي أكتب عنه اليوم .! ولولا أنني كنت فاعلًا وشاهدًا على حجم الضرر الذي يمكن أن يُحدثه مثل هذا القرار، لما منحت هذا الموضوع كل هذا الاهتمام ! لكنها دروس التجربة، تُفرض نفسها لتُروى، لعلها تجد آذانًا صاغية وعقولًا واعية ..
إن أخطاء الترشيح لا تقف عند حدود لحظتها، بل تمتد آثارها لتُرهق المؤسسة، خصوصًا في بداياتها، حيث تكون أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات .. ومن هنا، فإن تجنب هذا النوع من القرارات ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية أي مشروع حديث الولادة من تعقيدات قد يصعب علاجها لاحقًا .!
فالتجربة التي لا تُنقل .. قد تتكرر ...L
✍🏼علي عبدالله المالكي
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات