✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
في العلاقات الدولية لا تُقاس قيمة الاتفاقات بما يُكتب فيها فقط، بل بما يبقى خارجها.
فالمواد المعلنة غالبًا تمثل مساحة التوافق، أما جوهر الصراع الحقيقي فيختبئ في الملفات التي تُؤجَّل أو تُرحَّل إلى جولات تفاوض لاحقة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير؛ إذ يبدو أن الطرفين نجحا في رسم حدودٍ لما يمكن الاتفاق عليه الآن، لكنهما لم ينجحا بعد في حسم ما يختلفان عليه منذ ما يقارب نصف قرن.
أولًا: ما الذي اتفق عليه الطرفان؟
اتفقا على أمرٍ أساسي لا يحتاج إلى كثير شرح: أن استمرار المواجهة المباشرة ليس خيارًا مرغوبًا لدى أي منهما.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، بل ستفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وتمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
وفي المقابل تدرك إيران أن الاقتصاد الإيراني لم يعد يحتمل سنوات جديدة من العقوبات والتوترات والتصعيد المستمر.
ومن هنا جاءت مساحة التوافق الأولى:
خفض التصعيد مقابل فتح باب التفاوض.
كما اتفق الطرفان على أهمية استمرار تدفق التجارة العالمية وحماية الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. فتعطل المضيق يضر بالعالم كله، لكنه يضر أيضًا بالطرفين المتنازعين.
واتفقا كذلك على أن المفاوضات تبقى أقل تكلفة من المواجهة، وأن الاقتصاد يمكن أن يكون جسرًا للحلول السياسية، ولو مؤقتًا.
ثانيًا: ما الذي ما زال مختلفًا عليه؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
فالخلاف الأمريكي الإيراني ليس خلافًا حول بندٍ أو بندين، بل خلافٌ حول شكل الشرق الأوسط نفسه.
الملف النووي
ترى الولايات المتحدة أن المشكلة تبدأ من قدرة إيران على الاقتراب من العتبة النووية.
أما إيران فترى أن امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية حق سيادي لا يجوز التنازل عنه.
ولذلك ؛ فإن السؤال الذي لم يُجب عنه الاتفاق بعد هو:
هل المطلوب تقييد البرنامج النووي أم تفكيكه؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التسوية والأزمة.
النفوذ الإقليمي
ترغب واشنطن في تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما تعتبر طهران أن هذا النفوذ جزء من أمنها القومي وليس مجرد ورقة تفاوض.
ومن هنا ؛ يظهر التناقض الواضح:
أمريكا تريد إيران أقل حضورًا خارج حدودها.
وإيران تريد اعترافًا بدورها الإقليمي لا تقليصه.
العقوبات
تريد إيران رفعًا واسعًا وسريعًا للعقوبات.
بينما تريد الولايات المتحدة رفعًا تدريجيًا ومشروطًا يرتبط بمستوى الالتزام الإيراني.
وهذا الملف تحديدًا يحمل في داخله عشرات التفاصيل الفنية والقانونية والاقتصادية التي قد تكون أعقد من الملف النووي نفسه.
الثقة المفقودة
وهو الملف الذي لا يُذكر كثيرًا في البيانات الرسمية.
فالطرفان لا يعانيان فقط من خلاف المصالح، بل من أزمة ثقة متراكمة منذ عقود.
كل طرف يعتقد أن الآخر قد يستفيد من الاتفاق ثم يتراجع عنه عندما تتغير الظروف السياسية.
ولهذا ؛ تبدو المفاوضات الحالية وكأنها محاولة لإدارة انعدام الثقة أكثر من كونها محاولة لبناء الثقة.
ثالثًا: ماذا تقول البنود بين السطور؟
إذا تجاوزنا النصوص المعلنة، فسنجد أن الرسالة الأهم في الاتفاق هي أن كلاً من الطرفين خفّض سقف طموحاته مؤقتًا.
فالولايات المتحدة لم تعد تتحدث عن تغيير النظام الإيراني، بل عن إدارة المخاطر التي يمثلها.
وإيران لم تعد تتحدث عن كسر الإرادة الأمريكية، بل عن كسر العزلة الاقتصادية المفروضة عليها.
وهنا يلتقي الطرفان في منطقة وسطى:
لا نصر كامل لأحد، ولا هزيمة كاملة لأحد.
بل محاولة لصناعة توازن جديد يسمح لكل طرف أن يعلن لجمهوره الداخلي أنه حقق مكاسب دون أن يعترف بأنه قدّم تنازلات.
لذلك يمكن القول إن ما اتُّفق عليه حتى الآن هو وقف التدهور، أما ما اختلف عليه فما زال يمس جوهر الصراع نفسه.
لقد اتفق الطرفان على إدارة الأزمة، لكنهما لم يتفقا بعد على إنهائها.
واتفقا على تأجيل الخلاف، لكنهما لم يتفقا على حله.
ولعل هذا هو الوصف الأدق للمرحلة الراهنة:
ما جرى ليس سلامًا نهائيًا، بل هدنة سياسية مؤقتة بين مشروعين ما زال كلٌ منهما يرى العالم من زاوية مختلفة.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات