✍🏽عبدالمحسن محمد الحارثي
حين صدر نظام التعليم العام الجديد ؛ لم يكن مجرد تحديثٍ للوائح والاختصاصات، بل إعلاناً عن مرحلة جديدة في النظر إلى التعليم، وإلى من يملك حق المشاركة في صناعته وإدارته وتشغيله.
فالمدرسة لم تعد مبنىً، والتعليم لم يعد خدمةً تقاس بعدد المدارس والمقاعد والكتب؛ بل أصبح صناعةً وطنية كبرى، وسؤالها الأهم: كيف نصنع الإنسان الذي سيصنع المستقبل؟
من هنا ، تأتي أهمية النظام الجديد؛ إذ يفتح المجال أمام القطاع الخاص والقطاع غير الربحي والاستثمار الأجنبي للمشاركة في المنظومة التعليمية، في الإدارة والتشغيل والاستثمار وتقديم الخدمات التعليمية.
الدولة لا تتخلى عن التعليم، لكنها تعيد تعريف مسؤوليتها: تضع المعايير، وتحمي الهوية، وتضمن العدالة، وتراقب الجودة، وتقيس المخرجات، وتتيح المجال لمن يملك الكفاءة والخبرة والقدرة على الإضافة.
وهنا يصدق قول بيتر دراكر: "أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه".
والتعليم هو المكان الذي يبدأ فيه المستقبل قبل أن يصل.
فالقطاع الخاص يضيف الكفاءة والخبرة والاستثمار، والقطاع غير الربحي يضيف الرسالة والأثر، والاستثمار الأجنبي يستقدم التجارب والخبرات. وبذلك يصبح التعليم مجالاً للتكامل والتنافس والابتكار، لا رهين نموذج واحد في الإدارة والتشغيل.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب: هل نستثمر في البنية التحتية أم في الإنسان؟
البنية التحتية مهمة، لكنها ليست الغاية. فالمدرسة الحديثة، والمختبر، والمنصة الرقمية، والتقنيات الذكية، كلها أدوات؛ أما الغاية فهي الإنسان الذي يستخدمها ويضيف إليها.
وقد لخّص نيلسون مانديلا جوهر المسألة بقوله: "التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم".
لكن قيمة السلاح في اليد التي تحسن استخدامه.
قد نبني أجمل مدرسة ونجهزها بأحدث التقنيات، لكننا لن نصنع تعليماً عظيماً ما لم نمتلك معلماً عظيماً، وإدارةً كفؤة، ومناهج تبني عقلاً يسأل ويدرك ويحلل ويبتكر.
المبنى بلا إنسان مؤهل خرسانة، والإنسان بلا بيئة تعليمية جيدة طاقة معطلة.
لذلك ؛ فإن الاستثمار الحقيقي في التعليم ليس في الإسمنت والأجهزة وعدد المدارس وحدها، بل في المعلم والطالب والمناهج والبحث والتقنية، وفي البيئة التي تجعل المدرسة مكاناً لصناعة المستقبل.
ومن هنا ؛ تأتي قيمة دخول القطاع الخاص والقطاع غير الربحي والاستثمار الأجنبي. فالمطلوب ليس بناء مدارس فحسب، بل إضافة قيمة إلى التعليم: في الإدارة والتقنية والتدريب والابتكار والقياس وتطوير المواهب وربط التعليم بسوق العمل.
لا نحتاج إلى استيراد هوية تعليمية؛ فهويتنا الوطنية ثابتة، وقيمنا راسخة، ومناهجنا الوطنية جزء من شخصيتنا. لكننا نحتاج إلى فتح النوافذ على العالم، وأخذ أفضل ما لديه، ثم إعادة إنتاجه بما يناسب مجتمعنا وطموحاتنا.
فالانفتاح لا يعني ذوبان الهوية، كما أن المحافظة على الهوية لا تعني إغلاق النوافذ.
والاستثمار الأجنبي في التعليم ينبغي أن يكون استقداماً للخبرة، لا استيراداً للهوية. والقطاع الخاص شريكاً في صناعة رأس المال البشري، والقطاع غير الربحي نموذجاً يثبت أن الرسالة تحتاج إلى كفاءة، وأن العمل النبيل لا يعفي من الاحتراف.
إن التعليم لا يحتمل سوقاً بلا رسالة، كما لا يحتمل رسالةً بلا كفاءة.
لذلك ؛ فإن التحدي الحقيقي ليس في فتح الباب أمام المستثمرين، بل في حسن إدارة ما وراء الباب: كيف نضمن أن يكون الاستثمار في الجودة لا في الرسوم؟ وأن تكون المنافسة في المخرجات لا في المظاهر؟ وأن يبقى الطالب محور العملية التعليمية، لا رقماً في نموذج مالي؟
المستقبل التعليمي لن يكون حكومياً خالصاً، ولا خاصاً خالصاً، ولا غير ربحي خالصاً؛ بل منظومةً تتكامل فيها الأدوار: الدولة تضع البوصلة، والقطاع الخاص يضيف الكفاءة والاستثمار، والقطاع غير الربحي يضيف الرسالة والأثر، والخبرة العالمية تضيف المعرفة والتجربة.
ويبقى الطالب مركز الدائرة كلها.
فالمدرسة مشروع إنساني يبدأ من عقل الطفل، ويمتد إلى شخصية المواطن، وينتهي في قدرة الوطن على المنافسة وصناعة مستقبله.
قد يتهالك المبنى، وتتقادم التقنية، وتتبدل المناهج؛ أما الإنسان الذي تعلم كيف يفكر ويتعلم ويصنع، فهو الاستثمار الذي لا تنتهي صلاحيته.
ومن هنا ؛ فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه نظام التعليم العام الجديد ليس: من سيدير المدرسة؟ ولا من سيموّلها؟
بل: أي إنسان نريد أن تخرّجه المدرسة؟
فإذا كانت الدولة قد فتحت أبواب التعليم أمام الاستثمار ؛ فإن أعظم استثمار تنتظره المملكة ليس في المباني ولا الأجهزة ولا العقود؛ بل في عقل سعودي يقرأ المستقبل قبل أن يأتي، ويصنع الفرصة قبل أن تُعرض، ويحوّل المعرفة إلى قيمة، والطموح إلى إنجاز.
فالمدرسة ليست مبنىً نرفع جدرانه، ولا مشروعاً نحسب عوائده؛ المدرسة وعدٌ بالمستقبل.
وكلما أحسنّا صناعة الإنسان ؛ أحسنّا صناعة الوطن.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات