المقالات

هل أصبحنا نعيش أكثر مما نعيش؟

هل أصبحنا نعيش أكثر مما نعيش؟

 

بقلم ✍️ أحمد الخبراني 

في زمنٍ مضى، كانت المناسبات تُحفظ في الذاكرة، وتُروى تفاصيلها في المجالس، وتبقى الصور القليلة شاهدةً عليها لسنوات طويلة. أما اليوم، فقد تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى سيلٍ لا ينقطع من “الاستوريات” والحالات والمنشورات التي تلاحقنا منذ لحظة الاستيقاظ وحتى إغلاق الهاتف قبل النوم.

أصبحنا نرى فنجان القهوة، وطريق العمل، ووجبة الغداء، ومشهد الغروب، وحتى دقائق الانتظار العابرة، كلها تتحول إلى محتوى يُنشر ويُشارك ويُعاد نشره. ومع هذا الزخم الهائل، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل ما زال الناس يستمتعون بما يشاهدون، أم أن كثرة المحتوى بدأت تسرق منه قيمته؟

المفارقة أن ما كان يلفت الانتباه قبل سنوات أصبح اليوم أمرًا اعتياديًا. فالمتابع الذي كان يتوقف عند كل صورة أو مقطع، بات يمر على عشرات وربما مئات القصص يوميًا دون أن يتذكر منها شيئًا بعد دقائق. إنها حالة من “التخمة الرقمية” التي تجعل العقل أقل تفاعلًا مع المحتوى مهما بلغت جودته.

ولا يبدو أن المشكلة في وجود المنصات أو مشاركة اللحظات الجميلة، فهذه أصبحت جزءًا من حياتنا المعاصرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإفراط. فحين تتحول كل لحظة إلى مادة للنشر، يفقد الحدث شيئًا من خصوصيته، وتفقد المشاركة شيئًا من تأثيرها.

وربما يحمل المستقبل تحولًا مختلفًا؛ فكما ملّ الناس من كثير من الصيحات الرقمية التي اجتاحت العالم ثم اختفت، قد يأتي وقت يبحث فيه المستخدم عن البساطة أكثر من الظهور، وعن المعنى أكثر من العدد، وعن اللحظة التي يعيشها بدلًا من اللحظة التي يصورها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن نوثق حياتنا لنحتفظ بذكرياتها ونعيشها بتأمل، أم أننا أصبحنا نعيش من أجل النشر فقط؟