✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الصورةُ مجرد انعكاسٍ بصري للعالم، بل هي طريقةٌ في التفكير بالعالم.
فهي لا تنقل الواقع كما هو، بقدر ما تُعيد ترتيبه داخل وعي المتلقي، وتمنحه معنى يتجاوز حدود المرئي إلى فضاء التأويل.
وقد لامس رولان بارت هذا البعد حين تحدث عن “الأسطورة البصرية”، حيث تتحول الصورة من تمثيلٍ مباشر إلى نظامٍ من الدلالات يُعاد إنتاجه داخل الوعي.
وفي هذا المعنى ؛ تتكشف طبيعة الصورة: فهي لا تعرض العالم، بل تُعيد صياغته.
ومن هنا ؛ يقترب قول نيتشه: «لا حقائق، بل تأويلات»، ليضعنا أمام أصل الإشكال؛ فكل رؤيةٍ للعالم هي قراءةٌ له، لا نسخةٌ منه.
والعين، في نهاية المطاف ؛ ليست آلة تسجيل، بل وعيٌ مشحون بالتاريخ والثقافة والخيال.
ومن هذا المدخل الفلسفي ؛ لا يمكن قراءة الفن الاستشراقي بوصفه أرشيفًا بصريًا للشرق الإسلامي فحسب، بل بوصفه خطابًا معرفيًا يتقاطع فيه الفن مع السلطة، والجمال مع التمثيل، والرؤية مع التأويل.
لقد كانت اللوحة الاستشراقية، في جوهرها ؛ ممارسةً للتمثيل أكثر من كونها توثيقًا. فالشرق لم يُنقل كما هو، بل كما أُريد له أن يُرى داخل المخيلة الأوروبية؛ شرقٌ مُعاد تشكيله داخل نظامٍ بصري وثقافي سابق على المشهد ذاته.
وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع أطروحة إدوارد سعيد، حين قرر أن الاستشراق ليس دراسةً للشرق، بل “طريقة غربية لصناعة الشرق معرفيًا”..أي أن الشرق لم يكن موضوعًا محايدًا، بل بناءً ثقافيًا يُعاد إنتاجه داخل خطابٍ كامل.
في اللوحات الكلاسيكية عند إوجين دولاكروا، خصوصًا نساء الجزائر في شقتهن ؛ يظهر الشرق بوصفه فضاءً ساكنًا خارج الزمن، مشبعًا بهدوءٍ جمالي يتجاوز الواقع نحو المخيلة الرومانسية الأوروبية.
أما جان ليون جيروم ؛ فيقدّم شرقًا بالغ الدقة البصرية، لكنه شديد الانتقاء .. تفاصيل لافتة تُبهر العين، لكنها تُعيد تشكيل الواقع وفق هندسة جمالية لا اجتماعية، فتتحول الحياة إلى مشهد، والمشهد إلى رمز.
وفي هذا السياق تتجلى مقولة سوزان سونتاغ:
“كل صورة هي تفسيرٌ للعالم، لا نسخةٌ منه.”
فالصورة ليست حيادًا بصريًا، بل موقفٌ معرفي قبل أن تكون أداة رؤية.
ومع انتقال الصورة من اللوحة إلى التصوير الفوتوغرافي، ثم إلى السينما ؛ تعمّقت هذه الإشكالية بدل أن تتراجع.
فالصورة الفوتوغرافية، كما يرى أندريه بازان ؛ تحمل “أثر الواقع”، لكنها لا تضمن الواقع نفسه؛ فهي تمنح الإحساس بالحقيقة دون أن تقدّم حقيقتها الكاملة.
وفي السينما ؛ تتسع هذه المسافة أكثر. فكما يشير أورسن ويلز إلى أن السينما “إعادة كتابة للحياة بالضوء”، يتحول الشرق على الشاشة إلى مفردات بصرية متكررة: الصحراء، القباب، الأسواق، والفرسان؛ ليست بوصفها واقعًا، بل بوصفها لغة جاهزة للتخييل البصري.
ويذهب بيتر جرينواي إلى أن السينما لم تُخلق لسرد القصص فقط، بل “لإعادة اختراع طريقة رؤية العالم”، وهو ما يفسّر استمرار هذه الصور الذهنية عن الشرق حتى في الإنتاج الحديث.
إن الصورة هنا لا تشرح العالم، بل تقترحه.
ومع التكرار ؛ يتحول الاقتراح إلى يقين ثقافي، يُعاد إنتاجه دون مساءلة، حتى يغدو المتخيَّل أكثر حضورًا من الواقعي.
وهنا يلتقي النقد الفني مع الفلسفة الإدراكية، كما عند ميرلو-بونتي:
“نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما نكون نحن.”
فالرؤية ليست حيادًا، بل بناءٌ وجودي تشكله الذاكرة والتجربة والمعرفة المسبقة.
ومن هنا نفهم أن الفن الاستشراقي لا يكشف الشرق وحده، بل يكشف آليات النظر ذاتها: كيف تُبنى الرؤية؟ وكيف يتحول الجمال إلى خطاب؟ وكيف يصبح التخيّل جزءًا من الحقيقة المتداولة؟
وفي هذا السياق يضيف والتر بنيامين بعدًا حاسمًا حين يقرر أن “إعادة إنتاج الصورة تنزع عنها هالتها، لكنها تمنحها سلطة الانتشار”..وهو ما يفسّر انتقال صورة الشرق من فضاء النخبة إلى الوعي العام عبر الوسائط الحديثة.
إن ما تفعله الصورة إذن ليس التوثيق، بل التأسيس البطيء لوعيٍ جمعي يرى العالم بطريقة معينة دون أن يدرك أنها طريقة مُصنَّعة.
ومن هنا ؛ يصبح السؤال أكثر عمقًا من السؤال الجمالي:
هل ترى الصورة الشرق؟ أم تُعيد اختراعه داخل الوعي الغربي؟
إن ما يكشفه الفن الاستشراقي في النهاية ليس الشرق وحده، بل علاقة الغرب بذاته أيضًا؛ فكل صورة عن الآخر هي في جانبٍ منها مرآةٌ للأنا التي أنتجتها.
وهكذا لا يعود الاستشراق مجرد فصلٍ في تاريخ الفن، بل يصبح دراسةً في كيفية صناعة المعنى، وإعادة تشكيل الوعي، وبناء المسافة بين الواقع وتمثيله.
وفي هذا الفاصل الدقيق بين الرؤية والتخيّل، بين التوثيق وإعادة الاختراع ؛ تولد الصورة… ويولد معها السؤال الذي لا ينتهي.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات