المقالات

سيكولوجية الشماتة 

سيكولوجية الشماتة 

✍🏼 د سعود السويهري 

 

يعد موضوع الشماتة من الموضوعات التي طرحت في الآونة الأخيرة، وهي جديرة بإلقاء الضوء عليها، كونها ظاهرة نفسية واجتماعية يشعر الشامت من خلالها بلذة تسمى بلذة الشماتة، وفي الحقيقة أنها ظاهرة منتشرة في كثير من الثقافات والبلدان، وتلقي بظلالها على العلاقات الشخصية بين الأفراد، وتكون سببا رئيسًا في قطع العلاقات، وخصوصا إذا ما استشعر الطرف الآخر نية الشماتة أو إظهارها.

ويعرف أهل اللغة الشماتة بأنها فرح العدو ببلية تنزل بمعاديِهِ. وفي هذا الإطار فإن شعور الشماتة يعني وجود مشاعر للفرح والسرور الناتج عن حلول مصيبة أو ضائقة أو جائحة أو نازلة حلت بأفراد أو جماعات؛ وذلك لمجرد وجود اختلاف فكري أو عِرقي معهم أو كره لهم، فيتم التلذذ بأذى الآخرين وتعثرهم وشعورهم بالألم والمعاناة، وفي الواقع أن الشماتة عبارة عن مشاعر سلبية تسيطر على أصحابها، وتتوقف على معتقدات فكرية ومعرفية، وفي الحقيقة أن مرد هذا الأمر يرجع إلى طبيعة البيئة النفسية والاجتماعية التي ساهمت إلى حد كبير في بناء شخصية هؤلاء الشامتين، وقد يكون السبب يكمن في أن الشماتة تخفف من وطأة الشعور بقلة الحيلة والعجز، وخصوصا لمن يفتقدون للطمأنينة والأمن النفسي، ويدمج هؤلاء الأفراد في شخصياتهم بين مشاعر الحزن والفرح في آن واحد، فيشعرون بالفرح لمجرد فشل أو سقوط أو إذلال من لا يحبونهم، لأن سقوطهم - من وجهة نظر الشامتين - يرفع من مستوى إحترامهم لذواتهم ويلغي أو على الأقل يقلص الفوارق بينهما، كما يتملك الشامت الشعور بالحزن لمجرد وجود أفراد بعينهم في رخاء ونعمة ونجاح.

ولا نبالغ القول حين نقول أن الشماتة من أخطر أمراض القلب النفسية؛ لأنها من قبيل الأعمال السيئة التي يتصنع الشامت فيها أحيانا الفرح للغير، وفي الحقيقة خلاف ذلك "وما تخفي صدورهم أكبر". حيث يتم تحريك الشماتة وتغذيتها من خلال سيطرة الجانب المظلم في الشخصية ولا عيب في ذلك ما دامت عوامل التدهور الأخلاقي والقيمي، والتربية على كراهية الغير وزرع الضغائن في نفوس النشء هي من تسيطر على مجريات الأمور داخل الأسر وعلى مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات بل والثقافات .

وقد نبه القرآن الكريم لهذا الأمر في مواضع عديدة فقال تعالى:"فلا تشمت بي الأعداء" وقال أيضا:" والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا". وفي ذلك نهي عن أن يشمت المسلم بأخيه المسلم، ويفرح لما ينزل به من بلاءات أو مكروه يصيبه، لما في ذلك من أذية له بغير حق،

قال ﷺ :" لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك " ومما ذكره الفيلسوف آرثر شوبنهاور أن الشماتة أخطر خطيئة يقترفها الإنسان حيث قال: إن الحسد شعور إنساني، بينما الاستمتاع بالشماتة هو أمر شيطاني". ويقول الحسن البصري: "أدركت أقواما لم تكن لهم عيوب فتكلموا في عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم"، لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن . وخير منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". لأنه من نتائج السعاده تطهير القلب من الفرح المذموم، والقلب محل نظر الله عز وجل، والعبد لا ينجو يوم القيامة إلا إذا أتى الله بقلب سليم، ونلاحظ من خلال السرد السابق أن الشماتة قد تكون بالنية أو بالقول أو بالفعل والتصريح، والواجب هنا أن يجاهد الإنسان نفسه على تركها، فمجاهدة النفس تكون بمجالسة الصالحين، ولين القلب خير طريق، والانشغال بعيوب النفس أولا قبل الإلقاء بمخلفات النفس والروح على الآخرين، والعيش السليم بين الخوف والرجاء، والخوف من العواقب التي قد تُبتلى بها لاحقا، نسأل الله السلامة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة